الحمد لله
أولا :
الأصل أن ما ذبحه الكتابي فهو حلال ، يهوديا كان أو نصرانيا ؛ لقوله تعالى : (
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ )
المائدة/5 .
ثانيا :
يشترط لحل الذبيحة من المسلم والكتابي أن يكون الذبح في محله ، فيقطع الودجين ، وإن
قطع مع ذلك الحلقوم وهو مجرى النَّفَس ، والمريء وهو مجرى الطعام والشراب كان أكمل
في الذبح .
وأما صعق الحيوان قبل ذبحه ففيه تفصيل :
فإن تم الذبح وفي الحيوان حياة ، جاز أكله ، كأن يكون الصعق خفيفا ، ويبادر الذابح
إلى الذبح فورا .
وإن كان الذبح بعد موت الحيوان ، لم يجز أكله ، ويكون في حكم الموقوذة ، والموقوذة
"هي التي ترمى أو تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية" كما روي عن ابن عباس
والحسن وقتادة والضحاك والسدي . "تفسير
القرطبي" (6/46) .
ويدل على ذلك قوله تعالى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ
الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ
وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا
مَا ذَكَّيْتُمْ ) المائدة/3.
فقوله : ( إلا ما ذكيتم ) : استثناء يدل على حل المنخنقة والموقوذة والمتردية
والنطيحة وأكيلة السبع إذا أُدركت وهي حية ، وذُكيت .
والمراد بالحياة هنا : الحياة المستقرة ، وتعرف بحركتها أثناء الذبح وبتدفق الدم
منها .
قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" : (9/322) : " والمنخنقة , والموقوذة ,
والمتردية , والنطيحة , وأكيلة السبع , وما أصابها مرض فماتت به , محرمة , إلا أن
تُدرك ذكاتها ; لقوله تعالى : (إلا ما ذكيتم) . وفي حديث جارية كعب (أنها أصيبت شاة
من غنمها , فأدركتها , فذبحتها بحجر , فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كلوها)
. فإن كانت لم يبق من حياتها إلا مثل حركة المذبوح , لم تبح بالذكاة.
وإن أدركها وفيها حياة مستقرة , بحيث يمكنه ذبحها , حلت ; لعموم الآية والخبر .
وسواء كانت قد انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش ; لعموم الآية والخبر ,
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل , ولم يستفصل . وقد قال ابن عباس في ذئب عدا
على شاة , فعقرها , فوقع قصبها بالأرض , فأدركها , فذبحها بحجر , قال : يلقي ما
أصاب الأرض , ويأكل سائرها . وقال أحمد في بهيمة عقرت بهيمة , حتى تبين فيها آثار
الموت , إلا أن فيها الروح . يعني فذبحت . فقال : إذا مصعت بذَنَبها , وطرفت بعينها
, وسال الدم , فأرجو إن شاء الله تعالى أن لا يكون بأكلها بأس . وروي ذلك بإسناده
عن عقيل بن عمير , وطاوس . وقالا : تحركت . ولم يقولا : سال الدم . وهذا على مذهب
أبي حنيفة . وقال إسماعيل بن سعيد : سألت أحمد عن شاة مريضة , خافوا عليها الموت ,
فذبحوها , فلم يعلم منها أكثر من أنها طرفت بعينها , أو حركت يدها أو رجلها أو
ذنبها بضعف , فنهر الدم ؟ قال : فلا بأس به "
انتهى
.
وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء : ما حكم أكل لحوم الذبائح التي تذبحها الدولة
المسلمة بطريق الآلة الكهربائية ؟ علماً بأن البهيمة تسلط عليها الآلة الكهربائية
حتى تسقط في الأرض ثم يتولى الجزار ذبحها فور سقوطها على الأرض .
فأجابت : "إذا كان الأمر كما ذكر من ذبح الجزار بهيمة الأنعام فور سقوطها على الأرض
من تسليط الآلة الكهربائية عليها ، فإذا قُدِّر ذبحه إياها وفيها حياة جاز أكلها ،
وإن كان ذبحه إياها بعد موتها لم يجز أكلها ، وذلك أنها في حكم الموقوذة ، وقد
حرمها الله إلا إذا ذكيت ، والذكاة لا أثر لها إلا فيما ثبتت حياته بتحريك رِجْل أو
يد أو تدفق الدم ونحو ذلك مما يدل على استمرار الحياة حتى انتهاء الذبح ، قال الله
تعالى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ
وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ )
المائدة/3
، فأباح ما أصيب من بهيمة الأنعام بخطر بشرط تذكيته ، وإلا فلا يحل أكلها"
انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" ( 22/455).
وجاء فيها أيضا (22/456) : "أولاً : إن كان صعقها بضرب رأسها أو تسليط تيار كهربائي
عليها مثلاً فماتت من ذلك قبل أن تذكى فهي موقوذة لا تؤكل ، ولو قطع رقبتها ، أو
نحرها في لبتها ( أسفل العنق ) بعد ذلك ، وقد حرمها الله تعالى في قوله :
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ
لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ )
المائدة/3
، وقد أجمع علماء الإسلام على تحريم مثل هذه الذبيحة .
وإن أدركت حية بعد صعقها بما ذكر ونحوه وذبحت أو نحرت جاز أكلها ، لقوله تعالى في
آخر هذه الآية بالنسبة للمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع : (إلا
ما ذكيتم). فاستثنى سبحانه من هذه المحرمات ما أدرك منها حياً وذكّي ، فيؤكل لتأثير
التذكية فيه بخلاف ما مات منها بالصعق قبل الذبح أو النحر ، فإن التذكية لا تأثير
لها في حله ، وبهذا يعلم أن القرآن حرم ما يصعق من الحيوانات إذا مات بالصعق قبل
تذكيته ، لأن المصعوقة موقوذة ، وقد بيّن الله في آية المائدة تحريمها إلا إذا
أدركت حيّة وذكّيت بذبح أو نحر .
ثانياً :
يحرم صعق الحيوان بضرب أو تسليط كهرباء أو نحوهما عليه ، لما فيه من تعذيبه ، وقد
نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن إيذائه وتعذيبه ، وأمر بالرفق
والإحسان مطلقاً ، وفي الذبح خاصة فقد روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً ) ،
وروى مسلم جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : ( نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقتل شيء من الدواب صبراً ) ، وروى مسلم أيضاً عن شداد بن
أوس رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : ( إن الله
كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ،
وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته ) .
فإن كان لا يتيسر ذبح الحيوان أو نحره إلا بعد صعقه صعقاً لا يقضي عليه قبل ذبحه أو
نحره جاز صعقه ثم تذكيته حال حياته للضرورة "
انتهى
.
ثالثا :
إذا كان الأمر كما ذكرت من أنهم يصعقون الحيوان قبل ذبحه ، فهنا ثلاث احتمالات :
الأول : ما علمنا أنه صعق ثم ذكي قبل موته ، فهذا يحل أكله .
الثاني : ما علمنا أنه مات من الصعق ، فلا يحل أكله .
الثالث : إذا جهل الحال ، فإنه يؤخذ بالأغلب ، فإن كان الأغلب في البلد أنهم يذبحون
الحيوان بعد موته بالصعق ، فلا يحل الأكل من هذه الذبائح التي جهل حالها ، وإن كان
الأغلب هو ذبحها وفيها حياة مستقرة ، جاز الأكل .
والله أعلم .