الحمد لله
ذهب جماهير أهل العلم من الأئمة الأربعة وغيرهم إلى أن زكاة
الفطر تجب على المسلم ولو لم يصم رمضان ، ولم يخالف في ذلك غير سعيد بن المسيب
والحسن البصري : فقد قالا : إن زكاة الفطر لا تجب إلا على من صام ، والصحيح هو قول
الجمهور، وذلك للأدلة الآتية :
1- عموم الحديث الذي هو أصلٌ في فرض زكاة الفطر .
فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : ( فَرَضَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ
تَمْرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ ، وَالذَّكَرِ
وَالأُنْثَى ، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَمَرَ بِهَا
أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاةِ ) رواه البخاري
(1503) ومسلم (984) .
فقوله : "والصغير " يشمل الصغير الذي لا يستطيع الصيام .
2- الغالب في تشريع الصدقات والزكوات هو النظر إلى مصلحة المسكين
والفقير ، وتحقيق التكافل الاجتماعي العام ، وأظهر ما يكون ذلك في زكاة الفطر ، حيث
وجبت على الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى ، ولم يشترط الشارع في وجوبها
نصابا ولا حولا ، ولذلك فإن وجوبها على من أفطر في رمضان لعذر أو لغير عذر يأتي ضمن
السياق المقصود من تشريع هذه الزكاة .
3- أما استدلال من استدل بقول ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : (
فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ ،
طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ )
رواه أبو داود (1609) .
فقالوا : ( طهرة للصائم ) يدل على عدم وجوب زكاة الفطر إلا على
من صام ، فقد أجاب عنه الحافظ ابن حجر في "الفتح" (3/369) فقال :
"وأجيب : بأن ذكر التطهير خرج على الغالب ، كما أنها تجب على من
لم يذنب : كمتحقق الصلاح ، أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة " انتهى
.
ومعنى كلامه : أن الغالب أن زكاة الفطر شرعت لأنها تطهر الصائم ،
ولكن حصول هذا التطهير ليس شرطاً في وجوبها ، ونظير ذلك : زكاة المال ، فإنها قد
شرعت لتطهير النفس أيضاً ، ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) التوبة/103.
ومع ذلك فإنها تجبب في مال الصبي الصغير ، وهو لا يحتاج إلى
تطهير ، لأنه لا يكتب عليه سيئة .
وأجاب الشيخ ابن جبرين بجواب آخر ، فقال :
" إخراجها عن الأطفال وغير المكلفين والذين لم يصوموا لعذر من
مرض أو سفر داخل في الحديث ، وتكون طهرةً لأولياء غير المكلفين ، وطهرةً لمن أفطر
لعذر ، على أنه سوف يصوم إذا زال عذره ، فتكون طهرةً مقدَّمةً قبل حصول الصوم أو
قبل إتمامه " انتهى .
"فتاوى الزكاة" (زكاة الفطر/2) .
والله أعلم .