الحمد لله
أجمع المسلمون على وجوب مَسْح الرَّأْسِ في الوضوء ، لقول اللَّه
تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا
بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) المائدة/6 .
واتفق الفقهاء على أن الأفضل استيعاب الرأس بالمسح ، غير أنهم
اختلفوا هل هذا الاستيعاب واجب أم لا ؟
فذهب المالكية والحنابلة إلى وجوب مسح الرأس كله .
وذهب الحنفية والشَّافعية إلى أنه يكفي مسح بعض الرأس .
واستدل المالكية والحنابلة بعدة أدلة :
1- قَوْل اللَّهِ تَعَالَى : ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) وهذا
يتناول جميع الرأس . وهذه الآية : ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) كقوله تعالى فِي
التَّيَمُّمِ : ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ) والوجه يجب استيعابه في التيمم فكذلك الرأس هنا .
انظر : "مجموع الفتاوى" (21/125) .
قال ابن عبد البر رحمه الله :
" اختلف الفقهاء فيمن مسح بعض الرأس ، فقال مالك : الفرض مسح
جميع الرأس ، وإن ترك شيئا منه كان كمن ترك غسل شيء من وجهه ، هذا هو المعروف من
مذهب مالك ، وهو قول ابن علية ، قال ابن علية : قد أمر الله بمسح الرأس في الوضوء
كما أمر مسح الوجه في التيمم ، وأمر بغسله في الوضوء ، وقد أجمعوا أنه لا يجوز غسل
بعض الوجه في الوضوء ولا مسح بعضه في التيمم ، فكذلك مسح الرأس " انتهى
.
" التمهيد " ( 20 / 114 ) .
2- واستدلوا بفعله صلى الله عليه وسلم , فإنه لم يثبت عنه أنه
اقتصر على مسح بعض الرأس .
واحتج الأحناف والشافعية بأدلة منها :
1ـ قوله تعالى ( وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُم ) قالوا : والباء
للتبعيض ، فكأنه قال : ( وامسحوا بعض رؤوسكم ) .
وأجيب عن هذا : بأن الباء ليست للتبعيض ، وإنما هي للإلصاق ،
ومعنى الإلصاق : أنه يجب أن يلتصق بالرأس شيء من الماء الذي يمسح به .
انظر : "مجموع الفتاوى" (21/123) .
2ـ ما رواه مسلم (247 ) عن الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رضي الله
عنه : ( أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعِمَامَتِهِ )
. قالوا : فاقتصر صلى الله عليه وسلم على مسح الناصية وهي مقدم الرأس .
وأجيب عن هذا : بأنه صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته ، وأكمل
المسح على العمامة ، ومسح العمامة يقوم مقام مسح الرأس .
قال ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد" (1/193) : " لَمْ
يَصِحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى
مَسْحِ بَعْضِ رَأْسِهِ أَلْبَتَّةَ , وَلَكِنْ كَانَ إذَا مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ
أَكْمَلَ عَلَى الْعِمَامَةِ " انتهى .
وقال الشيخ ابن عثيمين " إجزاء المسح على الناصية هنا لأنه مسح
على العمامة معه ، فلا يدلُّ على جواز المسح على الناصية فقط " انتهى من
"الشرح الممتع" (1/178) .
وبهذا يظهر أن الراجح من القولين هو القول بوجوب مسح الرأس كله
في الوضوء .
وقد جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" ( 5/227) : " الواجب مسح جميع
الرأس في الوضوء ؛ لقوله تعالى : ( وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ) ولما أخرجه البخاري
ومسلم عن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنهما في صفة الوضوء قال : ( ومَسَحَ
رسول الله صلى الله عليه وسلم بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ ) , وفي
لفظ لهما : ( بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه , ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ
منه ) " انتهى .
وقال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (1/187) : " ولو مسح
بناصيته فقط دون بقيَّة الرَّأس فإنَّه لا يجزئه ؛ لقوله تعالى : ( وامسحوا برءوسكم
) المائدة/6 ولم يقل : (ببعض رؤوسكم)" انتهى .
وأما صفة مسح الرأس فقد سبق بيان ذلك في جواب السؤال (45867)
فلينظر .
والله أعلم .