الحمد لله
لا يزال الناس يُحْدِثون ، ويُحْدث لهم الشيطان ، ولا يزال
الشيطان يزين للناس أعمالهم ، ويأتي كل واحد من مداخله التي يسهل عليه أمرها ،
فالكسلان يأتيه من باب التفريط ، وصاحب الهمة يأتيه من باب التنطع والتشديد ، ولا
يزال الناس منه في بلية ، وتلك سنة الله في خلقه .
وهكذا العلاقات بين الناس ، لاسيما ما يكون منها بين الرجل
والمرأة الأجنبية عنه ، فإن اللعين يزين لطالب الجمال من أوقعه في حبالها ، حتى
تكون في عينه أجمل النساء ، ولربما كانت من أدناهن حظاً في الجمال ، وهكذا المصلي ،
حافظ القرآن ، إن عز على الشيطان أن يوقعه في حبائل النساء بالعلاقات المحرمة ،
لصيانته لدينه ، وأنفته من أن يشابه الفساق ، فإنه يأتيه من باب الحب في الله ،
والعلاقات الإسلامية الأخوية ، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وهكذا
يكون الشيطان في سعيه :
لكل ساقطةٍ في الحي لاقطةٌ وكل كاسدةٍ يوما لها سوقُ
لسنا ندري أيها الأخ الكريم المصلي ، يا صاحب القرآن ، هل أنت في
حاجة إلى أن نقول لك : إنك قد تركت الأبواب المفتوحة بشرع الله لقضاء حاجاتك ،
وأتيت البيوت من ظهورها : ( وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ
ظُهُورِهَا ) البقرة/189 ؟!
كان ينبغي ألا تحتاج !!
هل أنت في حاجة إلى أن نقول لك : إن مجرد اللقاء بين رجل وامرأة
أجنبية منكر لا يرضاه الله ورسوله ، لما فيه من الخلوة المحرمة ، والدخول على
النساء ، والنظرة المحرمة , ... ، ولو لم يكن فيه المنكر الشنيع الذي تقصده ، فكما
أن الأعمال الصالحات درجات في العلو والصعود , فكذلك خطى الشيطان دركات في الدناءة
والسفول ؟!
كان ينبغي ـ وأنت المصلي ، صاحب القرآن ـ ألا تحتاج !!
لو كنت سألتنا قبل أن تقدم على كل تلك الخطى ، كما كان الواجب
عليك ، لقلنا لك : مالك وللشاردة من بنات الناس ؟! لا يأوي الضالة إلا ضال !! دعها
، وإن لم تطرد عنها الذئاب ، فلا تكن أنت ذئبها ، حتى يتلقاها ربها ببره ، ويمن
عليها بتوبته ، ويوفق لها من محارمها ، أو نسائها من يهديها الطريق !!
أما وقد كان ما كان ، فالحمد لله على ستره عليكما ، ولطفه بكما ؛
فلم يقع بينكما ما يقع عادة في مثل تلك العلاقات ، والحمد لله أن وفقكما إلى قطع
تلك العلاقة بينكما ، لكن أكملا ذلك العمل بالتوبة إلى الله عز وجل عما بدر منكما ،
وقطع حبائل الشيطان التي نصبها لاصطيادكما ، وإشعال جمار الهوى والمعصية في قلوبكما
، ونسأل الله أن يمن علينا وعليكما بالقبول .
فإن فعلتما ذلك ، وبدأتما في تصحيح ما بدر منكما ، وتركتما ما
سبق المنكرات ، فاستخر الله تعالى في أمر الزواج الذي تريده ، ولعل ذلك أن يكون
تأكيدا لأخذكما في طريق الفلاح : ( وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) .
على أنك ينبغي عليك ، كما ينبغي عليها هي أيضا ، أن يتحرى كل
واحد منكما معرفة سيرة صاحبه ، قبل تلك الزلة ، وأن يقف على سيرته ، وسيرة أهل بيته
، كما يفعل الخُطَّاب عادة ، فإن كان ما حدث منها من التعارف واللقاء بينكما بهذه
الطريقة المرفوضة شرعا وأدبا ، إن كان ذلك زلة وقى الله تزايد شرها ، واشتعال شررها
، فاسعيا في إتمام أمر زواجكما في أقرب وقت يتيسر لكما ذلك الزواج فيه .
نعم ، قد كانت البداية خاطئة ، لكن ليس من الحكمة ، ولا من الشرع
في شيء ، أن ندع الغريق ونحن نقدر على أن ننقذه ، لأنه هو الذي غرر بنفسه ، وركب
لجة البحر !!
ومقام التحذير من الشر ، ونهي العباد عنه شيء ، ومقام علاج من
أخطأ وحاد عن الطريق شيء آخر ، وأهل السنة ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله ، يعرفون الحق ، ويرحمون الخلق .
فالذي نشير عليك به أن تقدم على الزواج بمن تعلقت بها ، وتعلقت
بك ، بعد استخارة الله ، كما مر ، والاجتهاد في التضرع إليه أن يوفقكما لما يحبه
الله ويرضاه ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ
النِّكَاحِ ) [ رواه ابن ماجة 1847 وقال البوصيري : رجاله ثقات ، وإسناده
صحيح ] .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
، فإن قدر الله بينكما هذا الزواج بعد ذلك ، فهو الخير إن شاء
الله ، وإن لم يقدر ذلك ، فهو الخير أيضا إن شاء الله .
وننصح بمراجعة السؤال
36618
نسأل الله أن ييسر لنا ولكما أمرنا ، وأن يجعل عاقبتنا جميعا إلى
هدى وفلاح .