الحمد لله
روى أبو داود (1118) وابن ماجه (1115) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
بُسْرٍ رضي الله عنه قال : جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، فَقَالَ
لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اجْلِسْ ، فَقَدْ آذَيْتَ )
. صححه الألباني في صحيح أبي داود .
ففي هذا الحديث : النهي عن تخطي رقاب الجالسين لصلاة الجمعة .
وقد اختلف العلماء في حكم ذلك على قولين :
الأول : الكراهة ، ونقله ابن المنذر عن الجمهور . وقال ابن حجر :
والأكثر على أنها كراهة تنزيه ، وهو المشهور عند الشافعية ، ومذهب الحنابلة .
انظر : "فتح الباري" (2/392) ، "كشاف القناع" (2/44) ، "المجموع" (4/466) .
وقَيَّد مالك والأوزاعي الكراهة بما إذا كان الخطيب على المنبر ،
جاء في "المدونة" (1/159) : " وقال مالك : إنما يكره التخطي إذا خرج الإمام ، وقعد
على المنبر ، فمن تخطى حينئذ فهو الذي جاء فيه الحديث ، فأما قبل ذلك فلا بأس به
إذا كانت بين يديه فُرَجٌ ، وليترفق في ذلك " انتهى .
القول الثاني : أن التخطي حرام مطلقاً في يوم الجمعة وغيره ،
لحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رضي الله عنه قال : جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى
رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( اجْلِسْ ، فَقَدْ آذَيْتَ ) . رواه أبو داود (1118) ، وابن ماجه (1115)
وصححه الألباني في صحيح أبي داود .
قال الترمذي : " والعمل عليه عند أهل العلم ، كرهوا أن يتخطى
الرجل يوم الجمعة رقاب الناس ، وشددوا في ذلك " انتهى .
وهذا ما رجحه جمع من المحققين ، كابن المنذر وابن عبد البر
والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية ، كما في "الاختيارات الفقهية" (ص 81) وغيرهم . ومن
المعاصرين الشيخ ابن عثيمين .
قال ابن المنذر معللاً القول بالتحريم : لأن الأذى يحرم قليله
وكثيره ، وهذا أذى ، كما جاء في الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن
يراه يتخطى : ( اجلس فقد آذيت ) "المجموع" (4/467) .
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (1/316) : وفي قول رسول الله صلى
الله عليه وسلم للمتخطي يوم الجمعة : (آذيت) بيان أن التخطي أذى ، ولا يحل أذى مسلم
بحال ، في الجمعة وغير الجمعة .
وقال النووي في "روضة الطالبين" (11/224) : المختار أن تخطي
الرقاب حرام ، للأحاديث فيه .
وقال الشيخ ابن عثيمين : " تخطي الرقاب حرام حال الخطبة وغيرها ،
لقول النبي صلى الله عليه وسلم لرجل رآه يتخطى رقاب الناس : (اجلس فقد آذيت) ويتأكد
ذلك إذا كان في أثناء الخطبة ؛ لأن فيه أذيةً للناس ، وإشغالاً لهم عن استماع
الخطبة ، حتى وإن كان التخطي إلى فرجة ؛ لأن العلة وهي الأذية موجودة "
انتهى .
"فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين" (16/147) .