الحمد لله
الصحابة لهم المكانة العليا في الإسلام بحكم
معاصرتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيامهم بواجب نصرته وموالاته ، وتفانيهم
في سبيل الله ببذلهم أموالهم وأنفسهم . ولهذا اتفق أهل العلم على أنهم صفوة هذه
الأمة وأفضلها ، وأن الله شرفهم بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأثنى عليهم
في كتابه الكريم بقوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ
عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ
فَضْلا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ
السُّجُودِ) الفتح/29 .
وأثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله
: (خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ
يَلُونَهُمْ) البخاري (3650) ومسلم (2535) .
وتوعد النبي صلى الله عليه وسلم من ينتقصهم أو
يسخر منهم أو يسبهم ، فقال : ( من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس
أجمعين) السلسلة الصحيحة (2340) .
وفي إخراج حياة أي واحد منهم على شكل مسرحية أو
فيلم سينمائي منافاة لهذا الثناء الذي أثنى الله تعالى عليهم ، وتنزيل لهم من
المكانة العالية التي جعلها الله لهم وأكرمهم بها .
لأن تمثيل أي واحد منهم سيكون موضعاً للسخرية
والاستهزاء به ، ويقوم بالتمثيل أناسٌ غالباً ليس للصلاح والتقوى والأخلاق
الإسلامية مكان في حياتهم العامة ، مع ما يقصده أرباب المسارح من جعل ذلك وسيلة
للكسب المادي ، وأنه مهما حصل من التحفظ فسوف يشتمل على الكذب والغيبة .
كما يؤدي تمثيل الصحابة رضوان الله عليهم إلى
زعزعة مكانتهم في نفوس المسلمين ، وينفتح باب التشكيك على المسلمين في دينهم ،
ويتضمن ضرورةً أن يقف أحد الممثلين موقف أبي جهل وأمثاله من الكفار ، ويجري على
لسانه سبُّ بلال ، وسبُّ الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به الإسلام ، ولا شك
أن هذا منكر عظيم .
وما يقال من وجود مصلحة وهي الدعوة إلى الإسلام
، وإظهار مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب ، فهذا مجرد فرض وتقدير ، فإن من عرف حال
الممثلين وما يهدفون إليه عرف أن هذا النوع من التمثيل يأباه واقع الممثلين ورواد
التمثيل ، ويأباه أيضا شأنهم في حياتهم وأعمالهم .
ومن القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية أن
الشيء إذا كان فيه مصلحة ومفسدة ، وكانت مفسدته أعظم من مصلحته فإنه يحرم . وتمثيل
الصحابة على تقدير وجود مصلحة فيه فمفسدته أكثر من مصلحته.
فرعايةً للمصلحة ، ومنعاً للمفسدة ، وحفاظاً على
كرامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب منع ذلك .
فبناءً على ما سبق يحرم تمثيل أحد من أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم في الأفلام أو المسرحيات أو غيرها .
والله تعالى أعلم . وصلى الله وسلم على نبينا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
اللجنة الدائمة في مجلة البحوث الإسلامية 1/223-248.