الجواب :
الحمد لله
أولاً:
لا
ريب أن الأمراض والأوبئة الفتاكة التي من طبيعتها الانتشار بالعدوى : تقاس على مرض
الطاعون ، من حيث أحكامه المتعلقة بما يسمَّى " الحجر الصحي " .
فعن
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي
الله عنه خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ
الأَجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ ، فَأَخْبَرُوهُ
أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَقَالَ
عُمَرُ : ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ ... .
فجاء عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي
بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْماً ، سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ
تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا
فِرَاراً مِنْهُ) رواه البخاري (5397) ومسلم (2219) .
قال
النووي رحمه الله :
وأما الطاعون : فهو قروح تخرج في الجسد ، فتكون في المرافق ، أو الآباط ، أو الأيدي
، أو الأصابع ، وسائر البدن , ويكون معه ورم ، وألَم شديد , وتخرج تلك القروح مع
لهيب ، ويسودّ ما حواليه ، أو يخضر ، أو يحمر حمرة بنفسجية ، كدرة ، ويحصل معه
خفقان القلب ، والقيء , وأما الوباء : فقال الخليل وغيره : هو الطاعون ، وقال : هو
كل مرض عام , والصحيح الذي قاله المحققون : أنه مرض الكثيرين من الناس في جهة من
الأرض ، دون سائر الجهات , ويكون مخالفاً للمعتاد من أمراض في الكثرة ، وغيرها ,
ويكون مرضهم نوعاً واحداً ، بخلاف سائر الأوقات ؛ فإن أمراضهم فيها مختلفة ، قالوا
: وكل طاعون وباء ، وليس كل وباء طاعوناً , والوباء الذي وقع في الشام في زمن عمر
كان طاعوناً , وهو طاعون " عمواس " , وهى قرية معروفة بالشام .
"
شرح النووي " ( 14 / 204 ) .
وعليه : فكل مرض فتاك من شأنه الانتقال للآخرين بالعدوى التي يقدِّرها الله فيه :
فإن له حكم الطاعون ؛ لأن الشريعة لا تفرِّق بين متماثلين .
ثانياً :
أخذ
العلماء من الحديث السابق أنه لا يجوز القدوم على أرض بها وباء فتَّاك ينتقل
بالعدوى , ولا الخروج من أرض وقع فيها ، كما هو ظاهر النص السابق .
قال
الحافظ ابن حجر رحمه الله :
وفِي هذا الحَدِيث جَوَاز رُجُوع مَن أَرَادَ دُخُول بَلدَة فَعَلِمَ أَنَّ بِهَا
الطَّاعُون ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيسَ مِن الطِّيَرَة ، وَإِنَّمَا هِيَ مِن مَنْع
الإِلقَاء إِلَى التَّهْلُكَة ، أَو سَدّ الذَّرِيعَة ... .
وَفِي الحَدِيث أَيضاً : مَنْع مَنْ وَقَعَ الطَّاعُون بِبَلَدٍ هُوَ فِيها مِن
الخُرُوج مِنهَا .
"
فتح الباري " ( 10 / 186 ، 187 ) .
وقال ابن القيم رحمه الله :
"وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها
, ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه : كمال التحرز منه ؛ فإن في الدخول في الأرض التي
هو بها تعرضاً للبلاء , وموافاة له في محل سلطانه , وإعانة للإنسان على نفسه , وهذا
مخالف للشرع والعقل ، بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد الله سبحانه
إليها ، وهي حمية عن الأمكنة ، والأهوية المؤذية" انتهى .
"
زاد المعاد " ( 4 / 42 - 44 ) .
ثالثاً:
اختلف العلماء في المقصود بالأمن في قوله تعالى : (
وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) آل عمران/97 على أقوال ، ومنها ما هو مقبول ، ومنها
ما هو ضعيف لا يلتفت إليه .
أما
الأقوال الضعيفة ، أو الباطلة في معنى الآية :
1.
فمنها قول من قال : إن من دخله يأمن من عذاب النار في الآخرة ! .
2.
وكقول من قال : إن من دخله يأمن من الموت على غير الإسلام ! .
3.
وكقول من قال : إن المعنى : أن من دخل الحرم يأمن من الأمراض .
4.
وكقول من قال : إن معنى الآية : الأمن من القتل .
لوجود كل ذلك في واقع الأمر ، كمن مات على الكفر ، والردة ، وكان قد دخل الحرم ،
ولوجود المرض ، والوباء فيه ، وكذا حصول القتل فيه ، قديماً ، وحديثاً .
05
وقيل : إن ( مَن ) ها هنا لمن لا يعقل ، والآية في أمان الصيد .
وأما الأقوال المعتبرة في الآية :
1.
أن معنى الآية : أن هذا الأمن على النفس من آيات الحرم ؛ لأن الناس كانوا يُتخطفون
من حواليه ، ولا يصل إليه جبار ، فقصد الله تعالى بذلك تعديد النعم على كل مَن كان
بها جاهلاً ، ولها منكراً من العرب ، كما قال تعالى : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا
جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) العنكبوت/ 67 ،
فكانوا في الجاهلية من دخله ولجأ إليه : أمِن من الغارة ، والقتل .
2.
أنه أراد به : أن مَنْ دخله عام " عمرة القضاء " مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
كان آمِناً ، كما قال تعالى : ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ
اللَّهُ آمِنِينَ ) الفتح/ 27 .
3.
أنها خبر بمعنى الأمر ، تقديره : " ومَن دخله : فأمِّنوه " ، كقوله تعالى : ( فلا
رفثَ ولا فسوقَ ولا جدال في الحج ) البقرة/ 197 ، أي : لا ترفثوا ، ولا تفسقوا .
قال
ابن القيم رحمه الله :
وهذا إما خبر بمعنى الأمر ؛ لاستحالة الخُلْفِ في خبره تعالى ، وإما خبرٌ عن شرعه
ودينه الذي شرَعه في حرمه ، وإما إخبارٌ عن الأمرِ المعهود المستمِرِّ في حرمه في
الجاهلية والإسلام ، كما قال تعالى : ( أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً
آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) العنكبوت/ 67 ، وقوله تعالى : (
وَقَالُواْ إن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، أَوَ لَمْ
نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيءٍ ) القصص/ 57
، وما عدا هذا من الأقوال الباطلة : فلا يُلتفت إليه ، كقول بعضهم : " ومَن دخله
كان آمناً مِن النار " ، وقول بعضهم : " كان آمناً مِن الموت على غير الإسلام " ،
ونحو ذلك ، فكم ممن دخله وهو في قعر الجحيم .
"
زاد المعاد في هدي خير العباد " ( 3 / 445 ) .
والقول الأول الذي ذكره ابن القيم هو الأليق بمعنى الآية .
قال
الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله :
ويقول سبحانه : ( وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) يعني : وجب أن يؤمَّن , وليس
المعنى أنه لا يقع فيه أذى لأحدٍ , ولا قتل , بل ذلك قد يقع , وإنما المقصود : أن
الواجب تأمين من دخله , وعدم التعرض له بسوء .
وكانت الجاهلية تعرف ذلك , فكان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فلا يؤذيه بشيء حتى
يخرج .
"
فتاوى الشيخ ابن باز " ( 3 / 380 ) .
وعلى هذا : ليس المقصود بالأمنِ الأمنَ مِنَ الأمراض والأوبئة ؛ فالأمراض والأوبئة
قد تنزل أرض الحرم المكي والمدني , وهذا معروف ، قديماً ، وحديثاً .
وقد
سبق في جواب السؤال رقم (131887)
أن مكة والمدينة محفوظتان من الطاعون ، وليستا محفوظتين من سائر الأوبئة والأمراض
العامة .
رابعاً:
نحمد لله على أن هذا الوباء لم يبلغ مكة ، أو المدينة ، وإنما هي بضع حالات في عموم
المملكة العربية السعودية ، كما هو في أكثر الدول ، مع الوجود الكبير اليومي من
المصلين ، والمعتمرين ، ومع ذلك فلا بأس أن يأخذ الإنسان بأسباب السلامة ، كلبس
الكمامات , وغير ذلك من أسباب الوقاية من المرض .
والملاحظ أن بعض وسائل الإعلام تهول من هذا الأمر , ويستغل بعض الحاقدين والمتربصين
ذلك للتنفير من شعائر الإسلام , مع أن هناك تجمعات كبيرة مماثلة - كملاعب كرة القدم
، والمهرجانات الغنائية - ولم نر ، أو نسمع ، من أولئك التحذير والتنفير من تلك
التجمعات ، بل على العكس من ذلك ، نرى التشجيع على الحضور ، والمشاركة .
وإن
تعجب فعجب من بعض العلماء حيث يفتون بعدم جواز الذهاب إلى الحج هذا العام بسبب ظهور
بضع حالات في المملكة العربية السعودية ! وكانوا يشددون أن النص النبوي في الطاعون
لا يقبل الجدال أنه منطبق على هذه الحالة ! وقد ظهر المرض في كثير من الدول ، وشفي
كثير منها ، ولم يصل الأمر إلى إغلاق الدول الأبواب على نفسها .
وبكل حال : فإذا صارت بلد موبوءة بمرض " انفلونزا الخنازير " ، أو " الطاعون " :
فالحكم واحد ، ولا فرق بين المملكة العربية السعودية ، وغيرها ، لكن ليس الحكم في
هذا لأحدٍ من الناس ، إلا أن يُعلن من مختصين أن تلك البقعة صارت موبوءة ، فحينئذٍ
نطبق عليها الحكم الشرعي ، من تحريم دخولها ، وتحريم خروج أحدٍ منها ، لكن لا
يتعجلن أحد بالحكم على موسم الحج ، أو العمرة بالإلغاء ، قبل دارسة ذلك من أهل
الاختصاص من الأطباء ، ثم اعتماد علمائنا ذلك وإصدارهم فتوى في الموضوع .
قال
الدكتور أحمد الريسوني -
الخبير في " مجمع الفقه الإسلامي " - :
إن
مسألة إلغاء العمرة
في
رمضان أو موسم الحج المقبل بسبب " إنفلونزا الخنازير " : يرجع القرار فيها إلى
الأطباء المسلمين المختصين .
وقال :
إن
" منظمة المؤتمر الإسلامي " ، أو " مجمع الفقه الإسلامي
الدولي " مطالبان في هذه الحالة بتنظيم لقاء للأطباء المسلمين من عدد من الدول
الإسلامية ؛ ليتدارسوا الوضعية ، ويقدروا الاحتمالات ، ويصدروا توصياتهم ، وبناء
عليها
يقرر الفقهاء في " مجمع الفقه الإسلامي " ، أو أي هيئة فقهية تشكَّل لهذا الغرض ما
إذا كانت
الضرورة تدعو لإلغاء الشعيرتين .
وقال :
إن
تقدير أطباء غير مسلمين ، من
أمريكا ، أو كندا ، أو غيرهما : لا يكفي ؛ لأن الأمر يتعلق بالعالم الإسلامي
،
والحجاج والمعتمرين القادمين منه ، ويتعلق كذلك بموازنة بين فريضة الحج وشعيرة
العمرة ، وما لهما من أهمية ، مع احتمالات الخطورة ، وانتشار الوباء
.
وقال :
إذا
قرر الأطباء المسلمون أن هناك احتمالات مرتفعة لانتشار الوباء
بواسطة تجمع الحج ، والعمرة : فيتعين حينئذ على جميع الدول الإسلامية ، وعلى
المملكة
العربية السعودية على الخصوص ، اتخاذ التدابير اللازمة لوقف هذه التجمعات ،
وتعليقها
إلى
حين انجلاء هذا الوباء .
وقال :
إن
هذا الإجراء لا غبار عليه ، وعلى مشروعيته
،
ووجوبه ؛ لأن الله تعالى يقول : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ، ورسول الله
صلى
الله عليه وسلم قال: ( إذا كان الوباء - أو الطاعون - في بلد فلا تخرجوا منه ولا
تدخلوا
إليه ) ، وكذلك سيدنا عمر رضي الله عنه أوقف سير جيش بكامله كان يتجه إلى الشام لما
علم
أن بها وباء الطاعون .
وقال :
لكن
لا ينبغي التعجل ، بل اتخاذ الخطوات
اللازمة التي تبتدئ بتقرير ، وتقدير الأطباء المختصين بشكل جماعي ، وتنتهي بفتوى
الفقهاء ، ثم بتنفيذ المسؤولين السياسيين في البلدان المعنية ، وخاصة المملكة
العربية
السعودية .
انتهى من موقعه .
http://www.raissouni.org/affdetail.asp?codelangue=6&info=300
فالنصيحة للسائل أن يتوكل على الله , ويتوجه لأداء العمرة , والحج ، وأن يأخذ
بأسباب السلامة - كما تقدم - ، إلا أن يظهر – لا قدَّر الله – ما يستوجب التوقف عن
دخول البلد الحرام ، ويظهر ذلك بفتاوى أهل العلم الثقات ، والله هو المأمول أن
يحفظنا وإياكم من كل سوء وشر .
والله أعلم