الجواب :
الحمد لله
أولاً :
نأسف أن يصل الحال بالشباب الممتلئ نشاطاً وحيوية ما نراه في شوارعنا ، وأسواقنا ،
وجامعاتنا ، في لبسهم ، وهيئتهم ، ومشيتهم ، فضلاً عن سلوكهم وأخلاقهم .
وقد
عُرف عن الشباب الخليجي لباسهم المميز من الثوب الساتر ، والشماغ – أو الغترة –
التي تغطي الرأس ، وغالباً ما يُلبس " العقال " ليثبت الشماغ على الرأس .
وعندما يكون الفراغ الروحي مسيطراً على طائفة من أولئك فإنهم يبتدعون ما يظنونه
يملأ ذلك الفراغ ، فترك طائفة منهم لبس الثوب ، وجعل بدلا منه البنطال ، وتركوا
الشماغ والعقال وكشفوا شعورهم وقد أغرقوها بالجل ! ونصبوا شعيرات منها تقف هنا
وهناك ! .
ومن
آخر ما ابتدعوه أنهم صغَّروا " العقال " و " الشماغ " جدّاً ، وبدلاً من أن يكونا
على الرأس : صارا أسورة في أيديهم ! وأطلقوا عليه " الميني عقال " – أي : العقال
الصغير - ، حتى يجمعوا بين لبس البنطال – الضيق أو الساحل – وبين لبس العقال ،
والعجيب أنهم جعلوا لذلك اللباس التافه شعار " أقدر " ! ظانين أنه يصب في " تشجع
الشباب على البحث عن ذاتهم ، وقدراتهم ، وطاقتهم الداخلية " !! وكتبوا عليه أيضاً "
اعقل وتوكل " ! فصار هذا " الميني عقال " علامة على أن لابسه من الشباب ، وأنه
يمتلء حيوية ، وأنه يفعل ما يشاء ، وبعض من سوَّق له أراد أنه يحمل رمزاً وطنيّاً !
حتى قال بعض الحمقى منهم إننا نتعرف على لابسه أنه من " السعودية " ! إن رأيناه في
بلد أجنبي ، فيكون ذلك وسيلة للتقارب بيننا ! ثم انتقل إلى دول خليجية أخرى ،
فادعوا أنه شعار ليعرف بعضهم بعضاً أن لابسه " خليجي " !
وإذا كان هذا صحيحاً ، فلماذا يلبسونه في بلادهم؟!
وهذا يعمق مفهوماً غير شرعي ، ويقوي التعصب لما لم يشرعه الله تعالى ، بل لما ذمه
من التفرق والتشتت .
وهلا كان تميزهم بلباسهم الشرعي القديم الذي تخلوا عنه لأجل موافقة الغرب ؟! وهلاَّ
كان تميزهم بدينهم ، وصلاتهم ، وحسن أخلاقهم ؟!
فلبس هذا "الميني عقال" يدل على الفراغ الذي يعاني منه هؤلاء الشباب ، وأنه لا
يعرفون معالي الأمور ولا يشتغلون بها ، وإنما يشغلون أنفسهم بسفاسف الأمور
وتفاهاتها .
ولبس هذا العقال ينطوي على مفاسد ، منها : أن المعصم إنما توضع فيه الزينة للنساء
لا للرجال ، وقد (لَعَنَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ
الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ) رواه
البخاري (5546) .
قال
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
أمّا السوار ، والقلادة في العنق ، وما أشبه ذلك : فهذا نحرِّمه من وجهٍ آخر ، وهو
التشبه بالنساء ، والتخنث ، وربما يساء الظن بهذا الرجل ، فهذا يحرم لغيره لا لذاته
.
"
الشرح الممتع " ( 6 / 108 ) .
وانظر جواب السؤال رقم : (
6697 ) .
ومنها : أن في لبس " الميني عقال " دعوة إلى التعصب ، وهو نوع من إحياء الجاهلية ،
وقد جاءت الشريعة الإسلامية بما فيه خير الناس ، فجمعت الناس على إله واحد ، ونبي
واحد ، ودين واحد ، وقرآن واحد ، وقبلة واحدة ، وأذابت ما فيه تعصب للون ، أو الجنس
، أو العِرق .
قال
الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :
إن
الواجب - يا إخواني - ألا نكون وطنيين ، وقوميين ، أي : ألا نتعصب لقومنا ، ولوطننا
؛ لأن التعصب الوطني قد ينضم تحت لوائه المؤمن ، والمسلم ، والفاسق ، والفاجر ،
والكافر ، والملحد ، والعلماني ، والمبتدع ، والسنَِّي ، وطن يشمل كل هؤلاء ، فإذا
ركزنا على الوطنية فقط : فهذا لا شك أنه خطير ؛ لأننا إذا ركزنا على الوطنية : جاء
إنسان مبتدع إلى إنسان سنِّي ، وقال له : " أنا وإياك مشتركان في الوطنية ، ليس لك
فضل عليَّ ، ولا لي فضل عليك " ! ، وهذا مبدأ خطير في الواقع ، والصحيح هو التركيز
على أن نكون مؤمنين
.
ونبيِّن – أيضاً - أن التعصب للوطن ، وكون الجامع بيننا هو الوطنية : ليس بصحيحٍ
أبداً ، ولا يستقيم الأمر إلا أن يكون الجامع بيننا الإيمان : ( إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) الحجرات/ 10 ، والآية نزلت في المدينة ، وكان في المدينة
يهود قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها ، ومع ذلك فلم يدخلوا في الآية مع
أنهم مواطنون ؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي
.
فهذه مسألة خطيرة ، فالمبدأ الصحيح أن الذي يجمع بيننا هو الإسلام ، والإيمان ،
وبهذا نكسب المسلمين في كل مكان .
"
لقاء الباب المفتوح " ( 48 / السؤال رقم 6 ) .
والله أعلم