الحمد لله
الخلع لا يعتبر طلاقا ، ولو كان بلفظ الطلاق ، على الراجح .
وبيان ذلك كما يلي :
1-
الخلع إذا لم يكن بلفظ الطلاق ، ولم ينو به الطلاق ، فهو فسخ عند جماعة من أهل
العلم ، وهو قول الشافعي في مذهبه القديم ، والمذهب عند الحنابلة ، ويترتب على كونه
فسخا أنه لا يحسب من الطلاق ، فمن خالع زوجته مرتين ، فله أن يرجع إليها بعقد جيد ،
ولا يحسب عليه شيء من الطلاق .
ومثال ذلك : أن يقول الزوج : خالعت زوجتي على كذا من المال ، أو فسخت نكاحها على
كذا .
2-
وأما إذا كان الخلع بلفظ الطلاق ، كقوله : طلقت زوجتي على مال قدره كذا ، فإنه يكون
طلاقا في قول جماهير أهل العلم . وينظر : "الموسوعة الفقهية" (19/237).
وذهب بعضهم إلى أنه يكون فسخاً أيضاً ، ولا يحسب من الطلاق ولو كان بلفظ الطلاق ،
وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ، وقال : إنه
المنصوص عن الإمام أحمد وقدماء أصحابه .
وينظر : "الإنصاف" (8/393).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " ولكن القول الراجح : أنه [يعني : الخلع] ليس
بطلاق وإن وقع بلفظ [الطلاق] الصريح ، ويدل لهذا القرآن الكريم ، قال الله عز وجل :
( الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ )
البقرة/229، أي : في المرتين ، إما أن تمسك وإما أن تسرح ، فالأمر بيدك ( وَلَا
يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ
يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ
اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) البقرة/229 ، إذاً هذا
فراق يعتبر فداء ، ثم قال الله عز وجل : ( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ
مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) البقرة/230، فلو أننا حسبنا الخلع
طلاقا لكان قوله : ( فَإِنْ طَلَّقَهَا ) هي الطلقة الرابعة ، وهذا خلاف الإجماع ،
فقوله : ( فَإِنْ طَلَّقَهَا ) أي : الثالثة ( فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ
حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) والدلالة في الآية واضحة ، ولهذا ذهب ابن عباس
رضي الله عنهما إلى أن كل فراق فيه عوض فهو خلع وليس بطلاق ، حتى لو وقع بلفظ
الطلاق ، وهذا هو القول الراجح " انتهى من "الشرح الممتع" (12/467- 470).
وقال
رحمه الله : " فكل لفظ يدل على الفراق بالعوض فهو خلع ، حتى لو وقع بلفظ الطلاق ،
بأن قال مثلا : طلقت زوجتي على عوض قدره ألف ريال ، فنقول : هذا خلع ، وهذا هو
المروي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : أن كل ما دخل فيه العوض فليس بطلاق ،
قال عبد الله ابن الإمام أحمد : كان أبي يرى في الخلع ما يراه عبد الله بن عباس رضي
الله عنهما ، أي : أنه فسخٌ بأي لفظ كان ، ولا يحسب من الطلاق .
ويترتب على هذا مسألة مهمة ، لو طلق الإنسان زوجته مرتين متفرقتين ، ثم حصل الخلع
بلفظ الطلاق ، فعلى قول من يرى أن الخلع بلفظ الطلاق طلاق تكون بانت منه ، لا تحل
له إلا بعد أن تنكح زوجا غيره ، وعلى قول من يرى أن الخلع فسخ ولو بلفظ الطلاق ،
تحل له بعقد جديد حتى في العدة ، وهذا القول هو الراجح . لكن مع ذلك ننصح من يكتبون
المخالعة أن لا يقولوا طلق زوجته على عوض قدره كذا وكذا ، بل يقولوا : خالع زوجته
على عوض قدره كذا وكذا ؛ لأن أكثر الحكام (القضاة) عندنا وأظن حتى عند غيرنا يرون
أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق صار طلاقا ، ويكون في هذا ضرر على المرأة ، فإن كانت
الطلقة الأخيرة فقد بانت ، وإن كانت غير الأخيرة حسبت عليه " انتهى من الشرح الممتع
(12/450).
وبناء على ذلك ؛ فإن أردت الرجوع إلى زوجك ، فلابد من عقد جديد ، ولا يحسب عليكما
شيء من الطلاق .
والله أعلم .