لدي قريب يدرس في دولة المجر ويسأل بالنسبة للصلاة كيف تكون ؟ حيث إن لديه محاضرات من الساعة الثامنة صباحاً إلى الساعة السادسة مساء وأوقات الصلوات من الظهر إلى العشاء تتداخل مع المحاضرات فكيف يصلي ؟ وهل يجوز له الجمع والقصر أو الجمع فقط ؟ أرجو التوضيح ، فإنه يعاني من صعوبة في أداء الصلاة في وقتها .
الحمد لله
أولا :
الصلاة أمرها عظيم ، وشأنها كبير ، وقد جاء الأمر بالمحافظة عليها في أوقاتها ،
والترغيب في ذلك ، والتحذير من التهاون فيه ، ما هو معلوم مشهور ، كقوله تعالى ، (
إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا )
النساء/103 ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد سئل أَيُّ
الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ فَقَالَ : ( الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا )
رواه البخاري (527) ومسلم (85) .
وجاء في المحافظة على صلاة العصر خاصة قوله تعالى : ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ
وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ) البقرة/238
، والصلاة الوسطى هي صلاة العصر كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ
) رواه البخاري (553) .
وإذا تقرر هذا فينبغي أن يبذل السائل الأسباب ويبحث عن الوسائل التي يتمكن بها من
أداء هذه الفريضة العظيمة في وقتها ، كاختيار وقت المحاضرة الذي لا يتعارض مع أداء
الصلاة ، والاستئذان من المحاضر للخروج لأدائها في أي مكان طاهر ، ومعلوم أن فعل
الصلاة لا يستغرق إلا دقائق معدودة .
وينبغي الحذر من ترك الخروج للصلاة حياء ، أو ضعفا ، أو لعدم الرغبة في إظهار أنه
مسلم ، وقد قرر أهل العلم أن المقيم في بلاد الكفر إذا لم يستطع إظهار دينه وجبت
عليه الهجرة ، ولم يحل له البقاء ، إلا أن يكون عاجزا عن الهجرة ؛ لقوله تعالى : (
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ
كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ
أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ
وَسَاءَتْ مَصِيرًا . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا .
فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا
غَفُورًا ) النساء/97-99 .
ثانيا :
إذا بذل الأسباب ولم يتمكن من أداء الصلاة في وقتها ، فلا حرج عليه من الجمع بين
الصلاتين ، فيجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ؛ لما روى مسلم (705)
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : ( جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَالْمَغْرِبِ
وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ . فقيل لِابْنِ
عَبَّاسٍ : لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ ) . أي : لا
يدخل عليهم الحرج والمشقة .
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : إذا دخلت الطالبة الحصة الدراسية مع دخول وقت
الظهر وتستمر الحصة لمدة ساعتين فكيف تصنع ؟
فأجاب : "إن الساعتين لا يخرج بهما وقت الظهر ، فإن وقت الظهر يمتد من زوال الشمس
إلى دخول وقت العصر ، وهذا زمن يزيد على الساعتين ، فبالإمكان أن تصلي صلاة الظهر
إذا انتهت الحصة ؛ لأنه سيبقى معها زمن ، هذا إذا لم يتيسر أن تصلي أثناء وقت الحصة
، فإن تيسر فهو أحوط ، وإذا قدر أن الحصة لا تخرج إلا بدخول وقت العصر ، وكان
يلحقها ضرر أو مشقة في الخروج عن الدرس ، ففي هذه الحال يجوز لها أن تجمع بين الظهر
والعصر فتؤخر الظهر إلى العصر ؛ لحديث بن عباس رضي الله عنهما قال : ( جمع النبي
صلى الله عليه وسلم في المدينة بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء من غير خوف
ولا مطر ، فقيل له في ذلك . فقال رضي الله عنه : أراد - يعني النبي صلى الله عليه
وسلم - أن لا يحرج أمته ) ، فدل هذا الكلام من ابن عباس رضي الله عنهما على أن ما
فيه حرج ومشقة على الإنسان يحل له أن يجمع الصلاتين اللتين يجمع بعضهما إلى بعض في
وقت إحداهما ، وهذا داخل في تيسير الله عز وجل لهذه الأمة دينه ، وأساس هذا قوله
تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) ، وقوله تعالى : ( ما يريد
الله ليجعل عليكم من حرج ) ، وقوله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ،
وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الدين يسر ) إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة
الدالة على يسر هذه الشريعة " انتهى من " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين"
(12/216) .
ثالثا :
ويلزمه أداء الصلاة تامة غير مقصورة ؛ لأن من نوى الإقامة في بلد أكثر من أربعة
أيام فهو في حكم المقيم ، عند جمهور الفقهاء .
ولا تلازم بين الجمع والقصر ، فقد يجتمعان كما في السفر ، وقد يجمع الإنسان في
الحضر لمرض أو استحاضة أو لخوف على نفسه أو ماله ، أو لمطر شديد ونحو ذلك من
الأعذار المبيحة للجمع ، مع انتفاء القصر ؛ لأن القصر لا يكون إلا في السفر .