حكم دراسة المحاسبة والعمل كمحاسب في الشركات والمؤسسات المختلفة
أنا شاب أتابع دراستي في السنة الأخيرة من سلك الإجازة ، شعبة الاقتصاد والتسيير ، بحكم تخصصي فإن مجال عملي سيكون - بإذن الله - في الشركات والمقاولات ، لكن المؤسف هنا أن هذه الشركات تتعامل أحيانا بل غالبا بالربا ، كما أن أموالها مودعة لدى بنوك ربوية - لا يوجد عندنا بنك إسلامي - فعملي في هذه الشركات كمحاسب - مثلاً - يقتضي تسجيل عمليات ربوية ، وحساب فوائد ، كفوائد التأخير ، وكتابة الشيكات ، والكمبيالات التي قد تستعمل في خصم الديون إلى ما هنالك من العمليات المحرمة والمشبوهة ، إضافة إلى استحالة أداء الصلاة في المسجد .
1- فبماذا تنصحونني ؟ أن أعمل في هذه الشركات ؟ هل أستمر في دراستي بعد الإجازة ؟ أم أغير الوجهة اتقاء للشبهات ؟ .
2. وهل العمل في هذه الشركات في وظيفة أخرى كتوزيع وبيع منتجاتها للبقالة جائز ؟ .
3. أنا تركت كل امتحانات الدخول إلى مدارس كمدارس الشرطة مثلا وغيرها ؛ لما فيها من ضياع حق الله ، فهل أنا على حق ؟
الحمد لله
نسأل الله تعالى أن يوفقك ، ويهديك ، ويثيبك خيراً على ورعك ، وتحريك الحلال في
عملك وكسبك .
ولا مانع من دراسة علم " المحاسبة " ، فإن جميع الشركات والمؤسسات تحتاج إلى هذا
العلم ، والاستفادة منه .
وجواز الدراسة لهذا العلم لا يعني أن يعمل المسلم محاسباً في البنوك الربوية ،
القائمة أعمالها على الحرام ، أو في الشركات والمؤسسات والمصانع التي تخلط الحلال
بالحرام في عملها ومالها ؛ لما في كتابة الربا من الإثم ، واستحقاق العقوبة ؛ ولما
فيه من التعاون على الإثم والعدوان ، وكل ذلك من المحرمات .
فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : ( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُؤْكِلَهُ ، وَكَاتِبَهُ ، وَشَاهِدَيْهِ ،
وَقَالَ : هُمْ سَوَاءٌ ) رواه مسلم ( 1598
) .
قال النووي رحمه الله :
" هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين ، والشهادة عليهما ، وفيه تحريم
الإعانة على الباطل " انتهى .
" شرح مسلم " ( 11 / 26 ) .
وقال الصنعاني رحمه الله :
" أي : دعَا على المذكورِين بالإبعاد عن الرحمة ، وهو دليل على إثم مَن ذُكر ،
وتحريم ما تعاطوه ، وخصَّ الآكل لأنه الأغلب في الانتفاع ، وغيره مثله ، والمراد من
" مُوكله " : الذي أعطى الربا ؛ لأنه ما تحصل الربا إلا منه ، فكان داخلاً في الإثم
، وإثم الكاتب والشاهديْن : لإعانتهم على المحظور ، وذلك إذا قصَدَا وعرَفَا بالربا
" انتهى .
" سبل السلام " ( 3 / 66 ) .
فلا مانع من دراستك لعلم المحاسبة – ضمن الضوابط الشرعية - ، ويجوز لك العمل بعدها
في أماكن لا ترتكب فيها حراماً ، كالمحاكم الشرعية ، أو الشركات والمؤسسات ذات
الأعمال الحلال ، فإن لم تجد : فيمكنك العمل في قسم مباح – كتوزيع منتجات المصانع
والشركات - ، ولا يهم أن يكون أموال تلك الشركات في البنوك ، أو أنها تقترض أو
تُقرض بالحرام ، والمهم في هذا الجانب هو حل عملك الذي تقوم به – كتوزيع منتجات
مباحة - ، وأن لا تكون المؤسسة قائمة على الحرام كالبنوك الربوية ، ومصانع تصنيع
الخمر ، وما شابه ذلك .
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
أعمل في وظيفة " محاسب " في إحدى الشركات السعودية التي تعمل في مجال التشغيل
والصيانة ، وقد اضطرت هذه الشركة لأخذ قروض من أحد البنوك الربوية ، وهذه القروض
بفوائد شهرية ، وأنا بصفتي محاسب الشركة أقوم بإصدار الشيكات ، وتسجيل المصروفات ،
والإيرادات في الدفاتر ، ومن ضمنها تلك الفوائد كمصاريف على الشركة تضاف لحساب
البنك ، علما بأنني نصحت المدير ، وقال : إنه مضطر لأخذ المبالغ من البنك ، لدفع
رواتب العمال ، وشراء المواد المختلفة للمشاريع ، وتسيير العمل ، لقد اعترضت أنا
على ذلك بشدة ، ووعدت بالاستقالة ، ولكن كما تعلمون أن إقامتي عليهم ، وصرَّحوا
بأنهم سوف لن يسمحوا لي بأن أنقل الكفالة لأعمل في مكان آخر ، بل سوف يصدرون تأشيرة
خروج نهائي بتسفيري إلى بلدي ، ولا يخفى عليكم الفائدة الدينية والدنيوية التي
أجدها في هذه البلاد بفضل الله سبحانه وتعالى ، فقد منَّ الله علينا بالهداية في
هذه البلاد ، فلله الحمد والمنَّة ، وسؤالي هو : ماذا أعمل الآن ؟ هل أستمر في
العمل والنصح مع استنكاري الشديد ، أم أتقدم باستقالتي وأسافر إلى بلدي التي لا
يخفى عليكم حالها دينيّاً ودنيويّاً ؟ .
فأجابوا :
"العمل في الشركة المذكورة التي تتعامل بالاقتراض من البنك بالفائدة ، مع تسجيلك
لها في دفاتر الشركة : لا يجوز ؛ لأن ذلك من كتابة الربا ، وقد ثبت في صحيح البخاري
أن النبي صلى الله عليه وسلم ( لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ، وقال : هم
سواء ) ، وعليك بالبحث عن عمل آخر ، وسوف ييسر الله أمرك إن شاء الله ، قال تعالى :
( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
يَحْتَسِبُ ) الطلاق/ 2 ، 3
، يسَّر الله أمرك ، وأصلح حال الجميع "
انتهى.
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ عبد الله بن غديان ،
الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ بكر أبو زيد .
" فتاوى اللجنة الدائمة " ( 15 / 27 – 29 )
.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" لا يجوز العمل بالمؤسسات الربويَّة ولو كان الإنسان سائقاً أو حارساً ؛ وذلك لأن
دخوله في وظيفة عند مؤسسات ربويَّة يستلزم الرضى بها ؛ لأن من أنكر الشيء لا يمكن
أن يعمل لمصلحته ، فإذا عمل لمصلحته كان راضياً به ، والراضي بالشيء المحرم يناله
من إثمه .
أما من كان يباشر القيد والكتابة والإرسال والإيداع وما أشبه ذلك : فهو لا شك أنه
مباشر للحرام ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه ، وقال : هم سواء .
" فتاوى إسلامية " ( 2 / 401 ) .
وانظر أجوبة الأسئلة : (21113)
و (26771) و (38877)
.
والله أعلم