الجواب :
الحمد لله
أولا :
اختلف الفقهاء رحمهم الله في موضع لبس الخاتم ، هل هو اليد اليمنى أم اليسرى ، وذلك
على قولين :
القول الأول : اختيار اليسرى
، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة .
جاء
في " رد المحتار " (5/230) من كتب الحنفية :
" (
في يده اليسرى ) وينبغي أن يكون في خنصرها دون سائر أصابعه ، ودون اليمنى . عبارة
القهستاني عن المحيط : جاز أن يجعله في اليمنى ، إلا أنه شعار الروافض " انتهى
باختصار.
وجاء في " حاشية العدوي على كفاية الطالب " (2/360) من كتب المالكية :
"
الاختيار عند الجمهور منهم مالك التختم في اليسار على جهة الندب ، وكان مالك يلبسه
في يساره " انتهى باختصار.
وقال أبو الوليد الباجي رحمه الله :
"
أجمع أهل السنة على التختم في الشمال ، وهو قول مالك ، وأكره التختم في اليمين ،
وقال إنما يأكل ويشرب ويعمل بيمينه فكيف يبدأ أن يأخذ الخاتم بيساره ثم يجعله في
يمينه " انتهى.
"
المنتقى شرح الموطأ " (7/256)
وجاء في " كشاف القناع " (2/236) من كتب الحنابلة :
"
ولبس الخاتم في خنصر يسارٍ أفضل من لبسه في خنصر اليمين ، نص عليه في رواية صالح
والفضل ، وأنه أقر وأثبت ، وضعف في رواية الأثرم وغيره التختم في اليمنى .
قال
الدارقطني وغيره : المحفوظ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يساره " انتهى
باختصار.
واستدلوا على ذلك بأدلة عدة :
1-عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ : ( كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصِرِ مِنْ يَدِهِ
الْيُسْرَى ) رواه مسلم (2095).
2-فعل أكثر الصحابة : بل نقله ابن أبي شيبة في " المصنف " بأسانيده (6/68) عن أبي
بكر وعمر وعثمان والحسن والحسين وابن عمر والقاسم وسالم وغيرهم من السلف ، أنهم
كانوا يتختمون في اليد اليسرى .
3-لبسه في اليسار أسهل لمن أراد أخذه بيمينه ليختم به ، فقد كانت كثير من الخواتيم
تلبس لغرض الختم بها ، فكان وضعه في اليد اليسرى أنسب لتحقيق هذا الغرض.
4-اللبس في اليمين مذهب الرافضة ، والمستحب مخالفة أهل البدع.
القول الثاني : اختيار اليمنى
، وهو مذهب الشافعية .
يقول الإمام النووي رحمه الله :
"
الصحيح المشهور أنه في اليمين أفضل ؛ لأنه زينة ، واليمين أشرف " انتهى.
"
المجموع " (4/462)
واستدلوا على ذلك بأدلة عدة :
1-
عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اصْطَنَعَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ
وَجَعَلَ فَصَّهُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ ، فَاصْطَنَعَ النَّاسُ
خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ ، فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى
عَلَيْهِ فَقَالَ : إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ ، وَإِنِّي لاَ أَلْبَسُهُ ،
فَنَبَذَهُ فَنَبَذَ النَّاسُ . قَالَ جُوَيْرِيَةُ : وَلاَ أَحْسِبُهُ إِلاَّ
قَالَ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى . رواه البخاري (5876)، وفي رواية عند مسلم أيضا
(2091) فيها التصريح باليمين أيضا .
2-
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه :
(
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ
فِي يَمِينِهِ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ كَانَ يَجْعَلُ
فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ ) رواه مسلم (2094)
3-
عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ ) رواه أحمد في " المسند " (3/265)
وحسنه المحققون في طبعة مؤسسة الرسالة. وقال فيه الإمام البخاري : " هذا أصح شيء
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب " انتهى. " سنن الترمذي " (رقم/1744)
.
4-
وقال الترمذي : " وفي الباب عن علي ، وجابر ، وعبد الله بن جعفر ، وابن عباس ،
وعائشة ، وأنس . حديث ابن عمر حديث حسن صحيح " انتهى.
5-
واستدلوا ـ أيضا ـ بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ( يُعْجِبُهُ
التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ )
رواه البخاري (168)، والتختم من الزينة التي يستحب التيامن بها .
وأجابوا عن أدلة القول الأول بأن الأحاديث الواردة في إثبات لبس النبي صلى الله
عليه وسلم الخاتم في اليد اليمين أصح وأكثر ، فينبغي ترجيحها على غيرها .
قال
ابن حجر الهيتمي رحمه الله :
"
في اليمين أفضل لأنه الأكثر في الأحاديث " انتهى.
"
تحفة المحتاج " (3/276)
كما
أجاب الإمام النووي رحمه الله على استدلالهم بكون اللبس في اليمين من شعار الروافض
بقوله رحمه الله :
"
ليس هو في معظم البلدان شعارا لهم ، ولو كان شعارا لما تركت اليمين ، وكيف تترك
السنن لكون طائفة مبتدعة تفعلها " انتهى.
"
المجموع " (4/462)
وأما استدلال الجمهور بتختم بعض الصحابة في اليد اليسرى فيجاب عنه بأنه قد ورد عن
صحابة آخرين التختم باليمين ، كما أسنده ابن أبي شيبة في " المصنف " (6/65) عن ابن
عباس ، وجعفر بن محمد ، وعبد الله بن جعفر ، بل قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
"
جاء عن أبي بكر وعمر وجمع جم من الصحابة والتابعين بعدهم من أهل المدينة وغيرهم
التختم في اليمنى " انتهى.
"
فتح الباري " (10/372)
وقد
ذهب بعض العلماء إلى مشروعية الأمرين جميعا : التختم في اليمين وفي اليسار ، وذلك
عملا بجميع الأحاديث الواردة .
قال
ابن القيم رحمه الله :
"
واختلفت الأحاديث هل كان في يمناه أو يُسراه، وكلها صحيحة السند " انتهى .
"زاد المعاد" (1/139) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
"
والصحيح أنه سنة في اليمين واليسار " انتهى.
"
الشرح الممتع " (6/110)
ثانيا :
أما
تحديد الأصبع الذي يستحب لبس الخاتم فيه فهو " الخنصر " كما ورد في السنة النبوية .
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :
(
صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا ، قَالَ : إِنَّا
اتَّخَذْنَا خَاتَمًا وَنَقَشْنَا فِيهِ نَقْشًا ، فَلَا يَنْقُشَنَّ عَلَيْهِ
أَحَدٌ . قَالَ : فَإِنِّي لَأَرَى بَرِيقَهُ فِي خِنْصَرِهِ )
رواه البخاري (5874)، وبوب عليه بقوله : باب الخاتم في الخنصر .
بل
ورد النهي عن لبسه في الوسطى والسبابة ، كما في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه
قال : ( نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتختم في أصبعي هذه أو هذه قال :
فأومأ إلى الوسطى والتي تليها ) رواه مسلم ( 2078 ) .
والله أعلم .