الجواب :
الحمد لله
أولا :
لا شك أن الأصل العام هو حرمة المسلم ، والحفاظ على ذلك من المهمات المؤكدة في
الدين .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا ، وَلَا
يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا .
الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ : لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ
، التَّقْوَى هَاهُنَا ، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، بِحَسْبِ
امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ، كُلُّ الْمُسْلِمِ
عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ) . رواه مسلم (2564) .
وفي أعظم جمع اجتمع حول النبي صلى الله عليه وسلم ، في حجة الوداع التي حجها
بأصحابه ، قال صلى الله عليه وسلم :
( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ
كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ؛
لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ
هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ ) متفق عليه .
ثانيا :
إذا تعلق الأمر بأهل العلم والكلام فيهم ، فالأمر فيهم أشد ، والتبعة أجل وأعظم
.
وما أحسن ما قال أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله :
" اعلم يا أخي - وفقنا الله وإياك لمرضاته ، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته - أن
لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة ، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ؛
لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم ، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء
مرتع وخيم ، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنشر العلم خلق ذميم ، والاقتداء
بما مدح الله به قول المتبعين من الاستغفار لمن سبقهم وصف كريم ، إذ قال مثنيا
عليهم في كتابه وهو بمكارم الأخلاق وضدها عليم : ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ
بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا
رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) الحشر /10
والارتكاب لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتياب وسب الأموات جسيم ، فليحذر
الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " انتهى .
"تبيين كذب المفتري" (ص 29-30) .
والآية السابقة التي ذكرها أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله ، وإن كانت تذكر دعاء
المؤمنين الخالفين ، لمن سبقهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فالأدب الذي
فيها عام لكل تابع في الخير ، مع من سبقه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" المعنى المقتضي لذلك يعم الصحابة ، وسائر طبقات الأمة ، إذ كل طبقة متأخرة ينبغي
أن تستعمل مع الطبقة المتقدمة معنى هذه الآية " . انتهى .
"جواب الاعتراضات على الفتيا الحموية" (161) .
وقال الشيخ السعدي رحمه الله :
" وهذا دعاء شامل لجميع المؤمنين السابقين ، من الصحابة ومن قبلهم ومن بعدهم
.
وهذا من فضائل الإيمان : أن المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض ، ويدعو بعضهم
لبعض ، بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين ، التي من
فروعها أن يدعو بعضهم لبعض ، وأن يحب بعضهم بعضا .
ولهذا ذكر الله في الدعاء نفي الغل عن القلب ، الشامل لقليل الغل وكثيره ، الذي إذا
انتفى ثبت ضده ، وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصح ، ونحو ذلك مما هو من
حقوق المؤمنين".
"تفسير السعدي" (851) .
وقد قال ابن المبارك رحمه الله : " من استخف بالعلماء ذهبت آخرته " .
"سير أعلام النبلاء" (8/408)
وقال الطحاوي رحمه الله في "عقيدته" (57) : " وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم
من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر - لا يُذْكرون إلا بالجميل ، ومن
ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل " .
ثالثا:
لا يعني ذلك أن أولئك العلماء معصومون من الخطأ ، أو أنه لا يرد عليهم ما أخطأوا
فيه ؛ لكن ينبغي أن يكون الرد عليهم بأدبه ؛ فلا يهدر صوابهم وخيرهم لأجل خطأ أخطأ
فيه الواحد منهم ، ولا يكون الدافع إلى ذلك جهل أو هوى أو عصبية ؛ ثم الذي يتولى
الرد عليهم ، والبحث معهم : هو من تأهل لذلك من أهل العلم الثقات ، الذي يحسن أن
يزن الأمور بيمزان الشرع ، فلا وكس ولا شطط .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" فالمؤمن يجمع بين القيام بحق الله ، بمعرفة دينه ، والعمل به ، وحقوق المؤمنين
، متقدميهم ومتأخريهم ، بالاستغفار وسلامة القلوب .
فإن من كان له لسان صدق ـ بل ومن هو دونه ـ إذا صدر منه ما يكون منكرا في الشرع ؛
فإما أن يكون مجتهدا فيه ، يغفر الله له خطأه ، وإما أن يكون مغمورا بحسناته ، وإما
أن يكون قد تاب منه .
بل من هو من دون هؤلاء ، إذا فعل سيئة عظيمة ، فالله يغفرها له ؛ إما بتوبة ، وإما
باستغفاره ، وإما بحسناته الماحية ، وإما بالدعاء له ، والشفاعة فيه ، والعمل
الصالح المهدى إليه ، وإما أن يكفر عنه بمصائب الدنيا ، أو البرزخ ، أو عرصات
القيامة ، أو برحمة الله تعالى .
فلهذا ينبغي للمؤمن أن يتوقى القول السيء في أعيان المؤمنين المتقين ، ويؤدي الواجب
في دين الله ، والقول الصدق ، واتباع ما أمر الله به ، واجتناب ما نهى الله عنه
.
وكما أن هذا الواجبُ في المسائل العملية ، فكذلك في هذه المسائل الخبرية ، لا سيما
فيما يغمض معناه ، ويتشبه على عموم الناس الحق فيه بالباطل ؛ فهذا المسلك يجب
اتباعه ؛ إذ قل عظيم في الأمة إلا وله زلة ...
فلا بد من رعاية حق الله بالواجب في الإثبات والنفي ، والأمر والنهي ، وحق عباده
المؤمنين ، بما لهم من إيصال حقوقهم إليهم ، من المحبة والموالاة ، وتوابع ذلك ،
واجتناب البغي والعدوان عليم " . انتهى .
"جواب الاعترضات المصرية على الفتيا الحموية" (162-163) .
وقال ابن القيم رحمه الله : " معرفة فضل أئمة الإسلام ، ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم
، وأنَّ فضلَهم وعلمَهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كلِّ ما قالوه ، وما وقع في
فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول ، فقالوا بمبلغ علمهم
والحقُّ في خلافها ، لا يوجب اطِّراح أقوالهم جملة ، وتنقصهم والوقيعة فيهم ، فهذان
طرفان جائران عن القصد ، وقصد السبيل بينهما ، فلا نؤثم ولا نعصم "
إلى أن قال : " ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أنَّ الرَّجلَ الجليل الذي له
في الإسلام قدَم صالح وآثار حسنة ، وهو من الإسلام وأهله بمكان ، قد تكون منه
الهفوة والزلَّة هو فيها معذور ، بل ومأجور لاجتهاده ، فلا يجوز أن يُتبع فيها ،
ولا يجوز أن تُهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين " انتهى
"إعلام الموقعين" (3/283).
فحذار حذار من الوقوع في أهل العلم والإسلام ، والجرأة على ذلك المقام الخطر ،
وتقحم الإنسان فيما لا يعنيه ، والسلامة السلامة ، لدينك وعرضك .
وننصح بمراجعة كتاب : "حرمة أهل العلم " للشيخ محمد أحمد إسماعيل ، والانتفاع به .
وينظر: إجابة السؤال رقم : (21576)
.
والله أعلم .