الجواب :
الحمد لله
اختلف السلف في المائدة : هل أنزلها الله تعالى على أصحاب عيسى عليه السلام ، أم
إنهم خافوا لما قال الله تعالى لنبيه عيسى : ( فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ
فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ) فلم
ينزلها عليهم ؟
فجمهور السلف على أن الله تعالى أنزلها عليهم ؛ لقوله عز وجل ( إِنِّي مُنزلُهَا
عَلَيْكُمْ ) ووعد الله حق لا يتخلف .
وهو المروي عن سلمان الفارسي وعمار بن ياسر وابن عباس ، وإسحاق بن عبد الله ووهب بن
منبه وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وعطية العوفي وأبي عبد الرحمن السلمي وعطاء بن
السائب ، وغيرهم .
وقال مجاهد والحسن : لم ينزلها عليهم .
ووجه ذلك : أن الله لما أوعد على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم ،
فاستعفوا عن إنزال المائدة ، فعلى هذا تقدير قوله : ( إني منزلها عليكم ) يعني إن
سألتم ، إلا أنهم استعفوا فلم تنزل .
قال الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله :
"والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره أنزل المائدة على
الذين سألوا عيسى مسألتَه ذلك ربَّه .
فإن الله تعالى ذكره لا يخلف وعدَه ، ولا يقع في خبره الْخُلف ، وقد قال تعالى ذكره
مخبرًا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى صلى الله عليه وسلم ، حين سأله ما سأله من ذلك
: ( إني منزلها عليكم ) ، وغير جائز أن يقول تعالى ذكره : ( إني منزلها عليكم ) ،
ثم لا ينزلها ؛ لأن ذلك منه تعالى ذكره خبر ، ولا يكون منه خلاف ما يخبر . ولو جاز
أن يقول : ( إني منزلها عليكم ) ، ثم لا ينزلها عليهم ، جاز أن يقول : ( فمن يكفر
بعد منكم فإنّي أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين ) ، ثم يكفر منهم بعد ذلك
فلا يعذّبه ، فلا يكون لوعده ولا لوعيده حقيقة ولا صحة. وغير جائز أن يوصف ربنا
تعالى ذكره بذلك " انتهى مختصرا .
"تفسير الطبري" (11/ 232)
وقال ابن كثير رحمه الله :
" وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل ، أيام عيسى ابن
مريم ، إجابة من الله لدعوته ، وكما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم :
( قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنزلُهَا عَلَيْكُمْ ) الآية .
وقد قال قائلون : إنها لم تنزل ، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا
تعرفه النصارى ، وليس هو في كتابهم ، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما يتوفر الدواعي
على نقله ، وكان يكون موجودًا في كتابهم متواترًا ، ولا أقل من الآحاد ، والله أعلم
.
ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت ، وهو الذي اختاره ابن جرير، وهذا القول هو -
والله أعلم- الصواب ، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم " انتهى مختصرا
.
"تفسير ابن كثير" (3/230-231)
فالقول الصحيح في ذلك : أنها أنها نزلت فعلا ، وهو قول جمهور أهل العلم ، واختاره
ابن الجوزي والسمعاني وأبي جعفر النحاس وابن جزي والقرطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية
وابن عاشور والشوكاني وغيرهم .
ينظر : "تفسير البغوي" (3/118) ، "زاد المسير" (2/462) ، "معاني القرآن" (2/387) ،
"التسهيل" (1/342) ، تفسير القرطبي" (6/369)"التحرير والتنوير" (ص1236) ، "فتح
القدير" (2/136) "الجواب الصحيح" (3/ 127) .
قال الشيخ ابن باز رحمه الله :
" ففي هذا بيان شيء من قدرة الله جل وعلا , وأنه سبحانه القادر على كل شيء قدير ,
وأنه سبحانه في العلو , لأن الإنزال يكون من الأعلى إلى الأسفل .
فإنزال المائدة وطلب إنزالها , كل ذلك دليل على أن القوم قد عرفوا أن ربهم في العلو
, فهم أعرف بالله وأعلم به من الجهمية وأضرابهم ممن أنكر العلو . فالحواريون طلبوا
ذلك ، وعيسى بين لهم ذلك ، والله بين ذلك أيضا , ولهذا قال : ( إِنِّي مُنَزِّلُهَا
عَلَيْكُمْ ) فدل ذلك على أن ربنا جل وعلا يطلب من أعلى , وأنه في العلو سبحانه
وتعالى فوق السماوات وفوق جميع الخلائق وفوق العرش , قد استوى عليه استواء يليق
بجلاله وعظمته , لا يشابه خلقه في شيء من صفاته جل وعلا " انتهى .
"مجموع فتاوى ابن باز" (2/56-57)
والله تعالى أعلم .