الجواب :
الحمد لله
السب والشتم إما أن يكون بوجه حق ، أو بغير وجه حق :
أولا :
إن
كان بحق : كأن يقع على المسلم ظُلمٌ ظاهر ، وأذى بالغ لا يمتري فيه أحد : فليس على
مَن دفع عن نفسه الظلم والعدوان بالسب والشتم مِن حرج ، سرا كان الشتم أو جهرا ، من
غير اعتداء ولا تجاوز ، وإن كان الأولى والأفضل ألا يفعل ذلك .
يقول الله تعالى :
(
لَاْ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ
وَكَانَ اللَّهُ سَمِيْعًا عَلِيْمًا ) النساء/148
يقول السعدي رحمه الله :
"
يخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول ، أي : يبغض ذلك ، ويمقته ، ويعاقب
عليه ، ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن : كالشتم ، والقذف ، والسب
ونحو ذلك ، فإن ذلك كله من المنهي عنه الذي يبغضه الله .
ويدل مفهومها أنه يحب الحسن من القول : كالذكر ، والكلام الطيب الليِّن
.
وقوله : ( إِلا مَن ظُلِمَ ) أي : فإنه يجوز له أن يدعو على من ظلمه ويتشكى منه ،
ويجهر بالسوء لمن جهر له به ، من غير أن يكذب عليه ، ولا يزيد على مظلمته ، ولا
يتعدى بشتمه غير ظالمه ، ومع ذلك فعفوه وعدم مقابلته أولى ، كما قال تعالى : (
فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ )" انتهى.
"
تيسير الكريم الرحمن " (ص/212) .
وقال تعالى :
(
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيْلٍ ،
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَىْ الّذِيْنَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِيْ
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ ، أُوْلئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ ) الشورى/ 41-42
وعن
أبي هريرة رضي الله عنهم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
(الْمُسْْتَبّانِ : مَا قَالَاْ فَعَلَىْ البَادِئِ مِنْهُمَا ، مَا لَمْ يَعْتَدِ
المَظْلُومُ ) رواه مسلم (2587)
وخير ما دعا به المظلوم على الظالم ، هو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم عن
جابرٍ رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الَّلهُمّ
أَصْلِحْ لِيْ سَمْعِي وَبَصَرِيْ ، وَاجْعَلْهُمَا الوَارِثَيْنِ مِنّي ،
وَانصُرنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي ، وَأَرِنِي مِنْهُ ثَأْرِي )
رواه البخاري في الأدب المفرد (1/226) ، وصححه الألباني ، وانظر الدعاء للطبراني
(1/421 ، 426)
يقول الخطيب الشربيني رحمه الله :
"
إذا سب إنسانٌ إنسانا جاز للمسبوب أن يسب الساب بقدر ما سبه ، لقوله تعالى : (
وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ، ولا يجوز أن يسب أباه ولا أمه ، وروي أن زينب لما سبت
عائشة قال لها النبي صلى الله عليه وسلم –
كما
في سنن ابن ماجة وصححه الألباني
- : ( دونك فانتصري ) فأقبلت عليها حتى يبس ريقها في فيها ، فتهلل وجه النبي صلى
الله عليه وسلم . وإنما يجوز السب بما ليس كذبا ولا قذفا ، كقوله : يا ظالم ، يا
أحمق ، لأن أحدا لا يكاد ينفك عن ذلك ، وإذا انتصر بسبه فقد استوفى ظلامته ، وبرئ
الأول من حقه ، وبقي عليه إثم الابتداء ، أو الإثم لحق الله تعالى " انتهى.
"
مغني المحتاج " (4/157)
والأولى والأكمل والأفضل هو العفو والصفح والتجاوز ، لعل الله أن يتجاوز عنا يوم
القيامة ، فالجزاء من جنس العمل
.
يقول الله عز وجل :
(
وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى
اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) الشورى/40
وقال صلى الله عليه وسلم :
(
يَا عُقبَةَ بنَ عَامِر : صِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ ، وَاعْفُ
عَمَّن ظَلَمَكَ )
رواه أحمد (4/158) وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة/891)
وعنْ عائشة رضي الله عنْها قالت :
(
سُرِقَتْ مِلْحفةٌ لَهَا ، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى مَن سَرَقَهَا ، فَجَعَلَ
النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يقولُ : لَاْ تُسَبِّخِي عَنْهُ ) قال أبو داود : لا
تسبخي : أي : لا تخففي عنه .
رواه أبو داود برقم (1497 ) وصححه الألباني في (صحيح الترغيب/2468)
كما جاء من الآثار عن التابعين ما يدلّ على فضيلة العفو والصفح في الدنيا
:
قال
الهيثم بن معاوية :
"
من ظُلِمَ فلمْ ينتصرْ بيدٍ ولا لسانٍ ، ولم يحقدْ بقلبٍ ، فذاك يضيء نوره في الناس
" انتهى.
رواه البيهقي في شعب الإيمان (6/264)
ثانيا
:
أما
إن وقع السب والشتم بغير وجه حق ، وإنما كرها شخصيا أو بغضا يدفع إليه الحسد ، أو
استقباح الهيئة أو النسب أو التصرف أو غير ذلك مما يقع بسببه الناسُ في السب والشتم
: فذلك من المحرمات الظاهرة ، ومن سقطات اللسان التي تأكل الحسنات ، وتأتي بالسيئات
، سواء كان في السر أو في العلن .
عن
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(
سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) رواه البخاري (رقم/48)، ومسلم
(64)
وعنه أيضا رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
(
لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا
الْبَذِيءِ )
رواه الترمذي (1977) وقال : حسن غريب . وصححه الألباني في صحيح الترمذي
يقول المباركفوري رحمه الله :
"
قوله : ( ليس المؤمن ) أي : الكامل .
(
بالطعان ) أي : عيَّاباً الناس .
(
ولا اللعان ) ولعل اختيار صيغة المبالغة فيها لأن الكامل قل أن يخلو عن المنقصة
بالكلية .
(
ولا الفاحش ) أي : فاعل الفحش أو قائله . وفي " النهاية " : أي : من له الفحش في
كلامه وفعاله ، قيل : أي : الشاتم ، والظاهر أن المراد به الشتم القبيح الذي يقبح
ذكره .
(
ولا البذيء ) قال القاري : هو الذي لا حياء له ." انتهى باختصار.
"
تحفة الأحوذي " (6/111)
ثالثا
:
فإذا وقع السب في القلب كحديث نفس ، ولم يقصده صاحبه ، ولم ينطق به ، إنما هي بعض
الوساوس التي تراوده في شتم فلان وعلان ، ولكنه لا يمتثل لها ولا يعقد العزم عليها
، فتلك أحاديث نفس وخواطر معفو عنها بإذن الله ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (
إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ
تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ ) .
رواه البخاري ( 4968 ) ومسلم ( 127 ) .
على
أنه يُخْشى من إضمار ذلك : أن يتحرك القلب بما استقر فيه ، رغبة فيه ، وحرصا عليه ،
ومحبة له ، وهذا من أعمال القلب التي يؤاخذ العبد بمثلها .
قال
القاسمي رحمه الله :
"
وأما أثره
ـ
أي : الغضب ـ
في القلب : فالحقد والحسد ، وإضمار السوء ، والشماتة بالمساءات ، والحزن
بالسرور ، والعزم على إفشاء السر ، وهتك الستر ، والاستهزاء ، وغير ذلك من
القبائح ؛ فهذه ثمرة الغضب المفرط " انتهى من "تهذيب موعظة المؤمنين" (312) .
وقال الغزالي رحمه الله :
"
اعلم أن سوء الظن حرام مثل سوء القول ؛ فكما يحرم عليك أن تحدث غيرك بلسانك بمساويء
الغير ، فليس لك أن تحدث نفسك وتسيء الظن بأخيك . ولست أعني به إلا عقد القلب وحكمه
على غيره بالسوء ، فأما الخواطر وحديث النفس فهو معفو عنه ... ، والظن عبارة عما
تركن إليه النفس ، ويميل إليه القلب " . انتهى .
"إحياء علوم الدين" (3/150) ، وانظر : الأذكار للنووي (344) .
والله أعلم .