الجواب
الحمد لله
ينبغي أن يُعلم أنّ الله تعالى فرض هذه الصّلوات في أوقات محدّدة لا يجوز تأخيرها
عنها ، فقال تعالى : ( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا
مَوْقُوتًا ) [النساء : 103] .
فالصّلاة من الواجبات المؤقّتة التي تشتمل على واجبين :
1-
واجب الأداء . 2- وواجب الأداء في الوقت .
فعلى المسلم أن يحرص كلّ الحرص ، وأن يبذل كلّ ما يستطيع لأداء الصلاة في وقتها ؛
لأنّ الله سبحانه قد توعّد الذين يؤخّرونها عن وقتها بقوله : ( فَوَيْلٌ
لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ
صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) . سورة الماعون /4-5 .
وللصلوات أوقات فضيلة واختيار ، وأوقات ضرورة ، فوقت الاختيار للعصر مثلاً أن يصير
ظلّ كلّ شيء مثليه بعد ظل الزّوال ، وهو الذي يحدث إذا زالت الشمس ، وهو المذكور في
الحديث : ( وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ) رواه مسلم (612)
ووقت الضرورة إلى غروب الشّمس ، وصلاة العشاء يمتد وقتها المختار إلى نصف الليل ،
وما بعد ذلك فهو وقت ضرورة ؛ والمراد بوقت الضرورة أنه يجوز تأخيرها إليه في حال
العذر والضرورة ، وأما من كان في سعة ، ولا مشقة عليه في صلاتها قبله : فيحرم عليه
أن يؤخرها إلى ذلك الوقت .
وباقي الصلوات : الفجر ، والظهر ، والمغرب : يستحب فعلها في أول وقتها ، ويمتد
وقتها إلى طلوع الشمس ، بالنسبة لصلاة الفجر ، وإلى الصلاة الأخرى ، بالنسبة للظهر
والمغرب .
ينظر : "كشاف القناع" (1/253) .
وبناء على ذلك
: فإن أمكنك أن تصلي الصلاة في أول وقتها ، فهو الأفضل والأكمل لك دائما ، وإن تعذر
عليك بسبب شغلك ، أو أمر طارئ حدث لك ، فأخرتها إلى آخر وقتها ، أو إلى وقت الضرورة
، على ما سبق ، صحت صلاتك ، ولا إثم عليك .
وعليك أن تحتال لذلك بما تقدر عليه ، كما قال الله تعالى : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ
مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن /16 ؛ وإذا أمكنك أن تختار نوبات العمل التي لا تعيقك
عن أداء الصلاة : فهو الواجب عليك ، وإن كنت في نوبة عمل في وقت الصلاة ، وأمكنك أن
توكل أحد زملائك ، من غير المسلمين ، أن ينوب عنك إلى أن تصلي : فافعل .
فإن تعذر عليك ذلك كله ، لظرف طارئ
، أو عمل له خصوصية ، كالذي ذكرته في سؤالك :
جاز
لك الجمع بين الصّلاتين صوريّاً – بأن تصلّي الأولى في آخر وقتها ، والثّانية في
أوّل وقتها - ، أو في وقت إحداهما ما لم تتّخذ ذلك عادة في قول كثير من أهل العلم ،
وهو قول بعض المالكيّة ، وبعض الشّافعيّة ، ورواية عند الحنابلة ، وبعض الظّاهريّة
، وبعض أهل الحديث ، وهو قول ابن سيرين ، وربيعة ، وابن شبرمة .
أمّا التي لا يمكن الجمع بينهما كالعصر والمغرب ، أو الفجر مع العشاء أو الظّهر ،
فعليك أن تؤدّيها في وقتها الاختياريّ أو الضّروريّ .
ينظر : الأوسط (2/433) ، والمنتقى (1/253) ، والاستذكار (6/32) ، والمجموع (4/263)
، والمغني (3/137) ، والاختيارات الفقهيّة لابن تيمية (ص70) .
فإن لم يمكنك هذا الجمع الصوري
، وخرج وقت المغرب ـ مثلا ـ قبل أن تصلي العشاء ، أو خرج وقت الظهر قبل أن تصلي
العصر : جاز لك أن تجمع بين كل صلاتين : الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، جمعا
حقيقيا ، كما يجمع المسافر بينهما ؛ إما جمع تقديم في وقت الظهر ، أو جمع تأخير في
وقت العصر ، حسب ما يقتضيه الظرف الطارئ .
لحديث ابن عبّاس - رضي الله عنهما - قَالَ : ( صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلّى الله
عليه وسلّم - الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ فِى غَيْرِ خَوْفٍ
وَلاَ سَفَرٍ ) . قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ : فَسَأَلْتُ سَعِيدًا لِمَ فَعَلَ
ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا سَأَلْتَنِي ، فَقَالَ : أَرَادَ
أَنْ لاَ يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ . أخرجه مسلم في صحيحه برقم (705) .
وفي رواية عنه : ( أَنَّهُ صَلَّى بِالْبَصْرَةِ الْأُولَى وَالْعَصْرَ لَيْسَ
بَيْنَهُمَا شَيْءٌ ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ ؛
فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ شُغْلٍ ، وَزَعَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ الْأُولَى
وَالْعَصْرَ ثَمَانِ سَجَدَاتٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا شَيْء ) .
أخرجها النسائيّ برقم (589) ، وأحمد في المسند (1/251) ، والطيالسيّ في مسنده برقم
(2843) ، والطّبرانيّ في الكبير برقم (12916) .
صحّحها أحمد شاكر في تعليقه على المسند برقم (2269) ، والألبانيّ في صحيح سنن
النسائيّ برقم (575) ، وفي إرواء الغليل برقم (579) .
ففيه دليل على أنّ الجمع لم يكن لمطر ولا مرض ، ولكن كان ابن عبّاس في أمر مهمّ من
أمور المسلمين ، يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته ، ورأى أنّه إن قطعه ونزل فاتت
مصلحته ، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع .
ينظر : مجموع الفتاوى (24/76) ، وفتح الباري (2/31) .
وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقاته على سنن التّرمذيّ (2/358) : ( وهذا هو الصّحيح
الذي يؤخذ من الحديث ، وأمّا التّأويل بالمرض أو العذر أو غيره ، فإنّه تكلّف لا
دليل عليه ، وفي الأخذ بهذا رفع كثير من الحرج عن أناس قد تضطرّهم أعمالهم ، أو
ظروف قاهرة إلى الجمع بين الصّلاتين ، ويتأثّمون من ذلك ويتحرّجون ، ففي هذا ترفيه
لهم ، وإعانة على الطّاعة ، ما لم تتّخذه عادة ) .
والجمع بين الصلاتين إنّما شرع لرفع الحرج والمشقّة عن الأمّة ، فيجوز الجمع في هذه
الحالة ؛ لوجود العلّة .
قال
ابن تيمية في مجموع الفتاوى (24/77) : ( فالأحاديث كلّها تدلّ على أنّه جمع في
الوقت الواحد ؛ لرفع الحرج عن أمّته ، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه
الله عن الأمّة ) .
وينظر : الشرح الممتع (4/391) ، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (15/383) .
وينظر للمسألة : فتاوى اللّجنة الدّائمة (25/44) .
والله أعلم .