الجواب :
الحمد لله
إذا
أسقطت المرأة جنينيها وقد تبين فيه خلق الإنسان ، فالدم النازل منها دم نفاس ، وإن
لم يتبين فيه خلق الإنسان فهو دم استحاضة تصوم معه وتصلي .
والتخليق إنما يكون في مرحلة المضغة ؛ لقول الله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ
مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) الحج/5 .
فوصف الله تعالى المضغة بأنها مخلقة وغير مخلقة .
ومعنى التخليق أن تظهر في الحمل آثار تخطيط الجسم كالرأس والأطراف ونحو ذلك .
ويبدأ التخليق في الجنين بعد ثمانين يوماً ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم :
(إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ،
ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ،
ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ : وَيُقَالُ لَهُ
: اكْتُبْ عَمَلَهُ ، وَرِزْقَهُ ، وَأَجَلَهُ ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ، ثُمَّ
يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوح) رواه البخاري (3208) .
فدل
هذا الحديث على أن الجنين يمر بعدة مراحل :
أربعين يوماً نطفة ، ثم أربعين أخرى علقة ، ثم أربعين ثالثة مضغة . ثم ينفخ فيه
الروح بعد تمام مائة وعشرين يوماً .
فما
دام الجنين قد مات بعد 66 يوماً من الحمل ، فإنه لا يكون مخلقاً ، ويكون الدم
النازل بسببه دم استحاضة وليس نفاساً ، فلا تترك له الصلاة .
وأما قضاء الصلوات التي تركتيها بناء على أن هذا الدم نفاس فالأحوط هو قضاء ما تركت
من الصلاة وهو مذهب جمهور أهل العلم ، وذهب بعضهم إلى أن المرأة إن تركت الصلاة
لجهلها وظنها أن الصلاة مرفوعة عنها ثم تبين أنها مستحاضة ، أنه لا يلزمها القضاء .
قال
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وعلى هذا لو ترك الطهارة الواجبة لعدم بلوغ
النص ، مثل : أن يأكل لحم الإبل ولا يتوضأ ثم يبلغه النص ويتبين له وجوب الوضوء ،
أو يصلي في أعطان الإبل ثم يبلغه ويتبين له النص : فهل عليه إعادة ما مضى ؟ فيه
قولان هما روايتان عن أحمد .
ونظيره : أن يمس ذَكَره ويصلى ، ثم يتبين له وجوب الوضوء من مس الذكر .
والصحيح في جميع هذه المسائل : عدم وجوب الإعادة ؛ لأن الله عفا عن الخطأ والنسيان
؛ ولأنه قال (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) ، فمن لم يبلغه
أمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شيءٍ معيَّنٍ : لم يثبت حكم وجوبه
عليه ، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر وعمَّاراً لما أجْنبا فلم يصلِّ
عمر وصلَّى عمار بالتمرغ أن يعيد واحد منهما ، وكذلك لم يأمر أبا ذر بالإعادة لما
كان يجنب ويمكث أياماً لا يصلي ، وكذلك لم يأمر مَن أكل من الصحابة حتى يتبين له
الحبل الأبيض من الحبل الأسود بالقضاء ، كما لم يأمر مَن صلى إلى بيت المقدس قبل
بلوغ النسخ لهم بالقضاء .
ومن
هذا الباب : المستحاضة إذا مكثت مدة لا تصلي لاعتقادها عدم وجوب الصلاة عليها ، ففي
وجوب القضاء عليها قولان ، أحدهما : لا إعادة عليها - كما نقل عن مالك وغيره - ؛
لأن المستحاضة التي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : (إني حضت حيضةً شديدةً كبيرةً
منكرةً منعتني الصلاة والصيام) أمرها بما يجب في المستقبل ، ولم يأمرها بقضاء صلاة
الماضي " انتهى من "مجموع الفتاوى" (21/101).
والله أعلم .