الجواب:
الحمد لله
لا
تعارض – إن شاء الله – بين ما نقلناه في تعريف الديمقراطية ، وبيان حكمها ، وبين
نقلنا لفتوى الشيخ العثيمين رحمه الله ، وآخرين ، في بيان حكم الترشح والترشيح في
الانتخابات ؛ وذلك لأن علماءنا لم يقل واحد منهم بجواز العمل بنظام الديمقراطية ،
تشريعاً ، أو تنفيذاً ، فلم يفتوا لأحدٍ بأن يكون قاضياً يحكم بين الناس في الدماء
، والأموال ، والأعراض ، بالقوانين الوضعية ، ولم يفتوا بجواز تشريع ما يخالف شرع
الله تعالى ، وإنما كانت فتاواهم في الدخول في مجالس يمكن للداخل فيها أن يخفف من
الشر الموجود ، أو يمنع ما يمكنه منعه مما فيه مخالفة لشرع الله تعالى ، أو تحقيق
مصالح شرعية لا يتمكن الناس ـ عادة ـ من تحقيقها دون ذلك .
بل
ذهبت فتاواهم لأبعد من هذا ، فأفتى بعضهم بجواز انتخاب الكافر إن كان أقلَّ شرّاً
من غيره ، إن كان لأصواتهم تأثير في الانتخابات ، وهذا كله لا يتناقض مع القول بأن
الديمقراطية مضادة للدين ، وأن الحكم لا يكون إلا لله وحده .
وهذا بيان تفصيل ما سبق :
1.
في جواب السؤال رقم ( 107166 )
قلنا : " الديمقراطية نظام أرضي ، يعني حكم الشعب للشعب ، وهو بذلك مخالف للإسلام ،
فالحكم لله العلي الكبير ، ولا يجوز أن يُعطى حق التشريع لأحدٍ من البشر كائناً من
كان " .
وفيه :
"
من علِم حال النظام الديمقراطي وحكمه ثم رشح نفسه ، أو رشح غيره مقرّاً لهذا النظام
، عاملاً به : فهو على خطر عظيم ، إذ النظام الديمقراطي منافٍ للإسلام ، وإقراره
والعمل به من موجبات الردة والخروج عن الإسلام .
وأما من رشح نفسه أو رشح غيره في ظل هذا النظام ، حتى يدخل ذلك المجلس وينكر على
أهله ، ويقيم الحجة عليهم ، ويقلل من الشر والفساد بقدر ما يستطيع ، وحتى لا يخلو
الجو لأهل الفساد والإلحاد يعيثون في الأرض فساداً ، ويفسدون دنيا الناس ودينهم ،
فهذا محل اجتهاد ، حسب المصلحة المتوقعة من ذلك .
بل يرى بعض العلماء أن الدخول في هذه الانتخابات واجبة " .
2.
وفي جواب السؤال رقم ( 118443
) بينا أن المجالس النيابية قد أُفقدت عملها في جانب محاسبة المقصرين ، ومنع الفساد
، ومثل هذه لم نجوز دخولها ؛ لعدم تأثير ذلك في واقع الأمر ، وأنه إن وُجد في بعض
البلدان لتلك المجالس أثر طيب في منع شر ، أو إيقاف فساد ، أو محاسبة تقصير : فإنه
لا بأس بدخول من يرى في نفسه قدرة على التغيير ، وقد اشترطنا في الجواب أن يكون هذا
الداخل من أهل الخير من أهل العلم والخبرة .
3.
وفي جواب السؤال رقم ( 3062 )
بينَّا : أن المصلحة الشرعية تقتضي أحياناً التصويت من باب تخفيف الشر ، وتقليل
الضرر ، كما لو كان المرشحون من غير المسلمين لكن أحدهم أقل عداوة للمسلمين من
الآخر ، وكان تصويت المسلمين مؤثراً في الاقتراع ، وأنه لا بأس بالتصويت له في مثل
هذه الحال .
4.
وفي جواب السؤال رقم ( 111898
) نقلنا قرار " مجلس المجمع الفقهي الإسلامي " التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة
المكرمة ، في موضوع " مشاركة المسلم في الانتخابات مع غير المسلمين في البلاد غير
الإسلامية " ، ونقلنا قولهم بجواز الترشح والترشيح للمسلمين المقيمين في دول الكفر
مما تكون مشاركتهم في الانتخابات النيابية تعود بمصالح على المسلمين ، وتدرأ عنهم
مفاسد ، وأن الفتوى في ذلك تختلف باختلاف الأزمنة ، والأمكنة ، والأحوال ، وكل ذلك
مشروط بألا يترتب على مشاركة المسلم في هذه الانتخابات ما يؤدي إلى تفريطه في دينه
.
هذا
مجمل ما ذكرناه في موقعنا هذا من فتاوى ، وأحكام ، وهي – كما ترى – لا يخالف بعضها
بعضها ، فالحكم لله العلي القدير ، ولا يجوز لأحدٍ أن يشرِّع ذِكراً للناس ، وورداً
، سوى ما جاء به الشرع المطهر ؛ فكيف نجوِّز تشريع قوانين تحكم على الناس في دمائهم
، وأموالهم ، وأعراضهم ؟!
وبينَّا أن ذم الديمقراطية إنما هو لذاتها ، وأما الحكم بجواز الترشح ، والترشيح ،
للانتخابات النيابية : إنما يرجع للمصلحة التي يستفيد منها المسلمون ، مع تسليمنا
بوجود خلاف بين أهل العلم في هذه المسائل ، وأننا نعلم بوجود من يخالف من أهل العلم
في ذلك ، فيمنع من مشاركة المسلم مطلقاً ترشحاً ، وترشيحاً ، ومنهم من يمنع ترشحه
للانتخابات ، ولا يمنع ترشيحه ! وما ذكرناه في موقعنا هو ما ترجح لنا في هذه
المسألة .
على
أننا نشير هنا إلى أن الديمقراطية : لا تعني بحال : الانتخابات النيابية ، وهكذا :
الانتخابات النيابية : لا تعني ـ أيضا ـ الديمقراطية بمفهومها الغربي ؛ إن
الانتخابات النيابية ، هي مظهر واحد من مظاهر الحياة الديمقراطية ؛ وأما
الديمقراطية الغربية التي نتكلم عنها ، ونتكلم عن مصادمتها لشرع الله ، فهي تصور
علماني ، لا ديني ، شامل للحياة السياسية ، وهذا أبرز وجوهه الذي يعرفه أكثر الناس
من خلاله ، والحياة العقدية : حيث يقوم على العلمانية والحرية المطلقة في قضايا
الإيمان والكفر ، والحياة الاقتصادية التي تتبنى الرأسمالية الغربية ، والحياة
الاجتماعية ، والثقافية .. ، وبدون هذا التصور الشامل : لا تكون ديموقرطية .
والله أعلم