125853



يعترض على ترجيحنا جواز التصويت في الانتخابات مع قولنا بمضادة الديمقراطية للإسلام
السؤال: قلتم في إحدى الفتاوى أن تحكيم غير شرع الله كفر أكبر ، ومن تحاكم إلى غير شريعة الله فقد كفر ، ثم أجد في فتوى أخرى أن الذهاب إلى الاقتراع أمر جائز ، وهذه فتوى الشيخ ابن عثيمين ، وغيره من العلماء ، مع أن مثل هذه العملية تبنى على الديمقراطية ، والديمقراطية تحكيم لغير شرع الله ، وهذا ما قرره الشيخ الغنيمان (في فتوى صوتيه للشيخ الغنيمان) فما الحكم الصحيح في مسألة الترشيح ، والانتخاب ؟ أرجو التوضيح .

الجواب:

الحمد لله

لا تعارض – إن شاء الله – بين ما نقلناه في تعريف الديمقراطية ، وبيان حكمها ، وبين نقلنا لفتوى الشيخ العثيمين رحمه الله ، وآخرين ، في بيان حكم الترشح والترشيح في الانتخابات ؛ وذلك لأن علماءنا لم يقل واحد منهم بجواز العمل بنظام الديمقراطية ، تشريعاً ، أو تنفيذاً ، فلم يفتوا لأحدٍ بأن يكون قاضياً يحكم بين الناس في الدماء ، والأموال ، والأعراض ، بالقوانين الوضعية ، ولم يفتوا بجواز تشريع ما يخالف شرع الله تعالى ، وإنما كانت فتاواهم في الدخول في مجالس يمكن للداخل فيها أن يخفف من الشر الموجود ، أو يمنع ما يمكنه منعه مما فيه مخالفة لشرع الله تعالى ، أو تحقيق مصالح شرعية لا يتمكن الناس ـ عادة ـ من تحقيقها دون ذلك .

بل ذهبت فتاواهم لأبعد من هذا ، فأفتى بعضهم بجواز انتخاب الكافر إن كان أقلَّ شرّاً من غيره ، إن كان لأصواتهم تأثير في الانتخابات ، وهذا كله لا يتناقض مع القول بأن الديمقراطية مضادة للدين ، وأن الحكم لا يكون إلا لله وحده .

وهذا بيان تفصيل ما سبق :

1. في جواب السؤال رقم ( 107166 ) قلنا : " الديمقراطية نظام أرضي ، يعني حكم الشعب للشعب ، وهو بذلك مخالف للإسلام ، فالحكم لله العلي الكبير ، ولا يجوز أن يُعطى حق التشريع لأحدٍ من البشر كائناً من كان " .

وفيه :

" من علِم حال النظام الديمقراطي وحكمه ثم رشح نفسه ، أو رشح غيره مقرّاً لهذا النظام ، عاملاً به : فهو على خطر عظيم ، إذ النظام الديمقراطي منافٍ للإسلام ، وإقراره والعمل به من موجبات الردة والخروج عن الإسلام .

وأما من رشح نفسه أو رشح غيره في ظل هذا النظام ، حتى يدخل ذلك المجلس وينكر على أهله ، ويقيم الحجة عليهم ، ويقلل من الشر والفساد بقدر ما يستطيع ، وحتى لا يخلو الجو لأهل الفساد والإلحاد يعيثون في الأرض فساداً ، ويفسدون دنيا الناس ودينهم ، فهذا محل اجتهاد ، حسب المصلحة المتوقعة من ذلك .
بل يرى بعض العلماء أن الدخول في هذه الانتخابات واجبة " .

2. وفي جواب السؤال رقم ( 118443 ) بينا أن المجالس النيابية قد أُفقدت عملها في جانب محاسبة المقصرين ، ومنع الفساد ، ومثل هذه لم نجوز دخولها ؛ لعدم تأثير ذلك في واقع الأمر ، وأنه إن وُجد في بعض البلدان لتلك المجالس أثر طيب في منع شر ، أو إيقاف فساد ، أو محاسبة تقصير : فإنه لا بأس بدخول من يرى في نفسه قدرة على التغيير ، وقد اشترطنا في الجواب أن يكون هذا الداخل من أهل الخير من أهل العلم والخبرة .

3. وفي جواب السؤال رقم ( 3062 ) بينَّا : أن المصلحة الشرعية تقتضي أحياناً التصويت من باب تخفيف الشر ، وتقليل الضرر ، كما لو كان المرشحون من غير المسلمين لكن أحدهم أقل عداوة للمسلمين من الآخر ، وكان تصويت المسلمين مؤثراً في الاقتراع ، وأنه لا بأس بالتصويت له في مثل هذه الحال .

4. وفي جواب السؤال رقم ( 111898 ) نقلنا قرار " مجلس المجمع الفقهي الإسلامي " التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ، في موضوع " مشاركة المسلم في الانتخابات مع غير المسلمين في البلاد غير الإسلامية " ، ونقلنا قولهم بجواز الترشح والترشيح للمسلمين المقيمين في دول الكفر مما تكون مشاركتهم في الانتخابات النيابية تعود بمصالح على المسلمين ، وتدرأ عنهم مفاسد ، وأن الفتوى في ذلك تختلف باختلاف الأزمنة ، والأمكنة ، والأحوال ، وكل ذلك مشروط بألا يترتب على مشاركة المسلم في هذه الانتخابات ما يؤدي إلى تفريطه في دينه .

هذا مجمل ما ذكرناه في موقعنا هذا من فتاوى ، وأحكام ، وهي – كما ترى – لا يخالف بعضها بعضها ، فالحكم لله العلي القدير ، ولا يجوز لأحدٍ أن يشرِّع ذِكراً للناس ، وورداً ، سوى ما جاء به الشرع المطهر ؛ فكيف نجوِّز تشريع قوانين تحكم على الناس في دمائهم ، وأموالهم ، وأعراضهم ؟!

وبينَّا أن ذم الديمقراطية إنما هو لذاتها ، وأما الحكم بجواز الترشح ، والترشيح ، للانتخابات النيابية : إنما يرجع للمصلحة التي يستفيد منها المسلمون ، مع تسليمنا بوجود خلاف بين أهل العلم في هذه المسائل ، وأننا نعلم بوجود من يخالف من أهل العلم في ذلك ، فيمنع من مشاركة المسلم مطلقاً ترشحاً ، وترشيحاً ، ومنهم من يمنع ترشحه للانتخابات ، ولا يمنع ترشيحه ! وما ذكرناه في موقعنا هو ما ترجح لنا في هذه المسألة .

على أننا نشير هنا إلى أن الديمقراطية : لا تعني بحال : الانتخابات النيابية ، وهكذا : الانتخابات النيابية : لا تعني ـ أيضا ـ الديمقراطية بمفهومها الغربي ؛ إن الانتخابات النيابية ، هي مظهر واحد من مظاهر الحياة الديمقراطية ؛ وأما الديمقراطية الغربية التي نتكلم عنها ، ونتكلم عن مصادمتها لشرع الله ، فهي تصور علماني ، لا ديني ، شامل للحياة السياسية ، وهذا أبرز وجوهه الذي يعرفه أكثر الناس من خلاله ، والحياة العقدية : حيث يقوم على العلمانية والحرية المطلقة في قضايا الإيمان والكفر ، والحياة الاقتصادية التي تتبنى الرأسمالية الغربية ، والحياة الاجتماعية ، والثقافية .. ، وبدون هذا التصور الشامل : لا تكون ديموقرطية .

 

والله أعلم

 


الإسلام سؤال وجواب



 
 
 
 
جميع الحقوق محفوظة لموقع الإسلام سؤال وجواب©  1997-2009  : 114.53