الجواب:
الحمد لله
أولاً:
قد
أحسنت ـ أيها الأخ الكريم ـ في تركك الاحتفال بما هو بدعة من بدع العادات التي شاعت
بين الناس ، ولا تلتفت لمن يطعن باتباعك للنبي صلى الله عليه وسلم ، ويلمزك
باستقامتك على هدي الإسلام ؛ فما من رسول أرسله الله تعالى لقومه إلا سخروا منه ،
وطعنوا في عقله ، ودينه ، كما قال تعالى : ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) الذاريات/ 52 ،
فلك في أنبياء الله أسوة ، فلتصبر على ما يصيبك من الأذى ، ولتحتسب الأجر عند ربك .
ثانياً:
النصيحة لك : بأن تُعرض عن مناقشتهم ، ومجادلتهم ، إلا أن ترى منهم عاقلاً يسمع ،
ويستفيد ، فيمكنك أن تنتقي أمثال هؤلاء لتوقفهم على حقيقة المولد ، وحكمه ، وأدلة
نقضه ، وتبين لهم فضل الاتباع ، وشر الابتداع ، وإذا رأيتَ مثل هؤلاء : فإليك ما
ينفعك في الحوار معهم ، والنصح لهم :
1.
لنبدأ مع هؤلاء من حيث انتهوا ، وهو قولهم لك إن إسلامك إسلام جديد ، فنقول : أيهما
أقدم ديناً وإسلاماً : من احتفل بالمولد النبوي ، أم من لم يحتفل ؟ والجواب بلا شك
عند كل عاقل منصف : أن من لم يحتفل هو أقدم إسلاماً وديناً ، فالصحابة رضي الله
عنهم ، والتابعون ، وأتباع التابعين ، ومن بعدهم إلى العصر العبيدي في مصر لم
يحتفلوا بهذا المولد ، وإنما كان هذا بعدهم ، فمن هو صاحب الإسلام الجديد ؟! .
2.
لنرى من يحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر ، آالصحابة رضي الله عنهم ، أم من بعدهم
من القرون المتأخرة ؟ والجواب بلا شك عند عاقل ومنصف أن الصحابة أكثر ، وأعظم حبّاً
للنبي صلى الله عليه وسلم ، فهل احتفلوا بميلاده أم تركوه ؟! وكيف سيكون مثل هؤلاء
باحتفالهم بميلاد النبي صلى الله وسلم منافسين للصحب الكرام في محبة نبيهم ؟! .
3.
لنسأل : ما معنى محبة النبي صلى الله عليه وسلك ؟ إنها عند كل عاقل ومنصف تعني :
الاتباع لهديه ، وسلوك طريقه صلى الله عليه وسلم ، ولو أن هؤلاء المحتفلين التزموا
هدي نبيهم ، وسلكوا طريق الاتباع : لوسعهم ما وسع الصحابة المحبين ، والمتبعين
لنبيهم صلى الله عليه وسلم ، ولعلموا أن الخير في اتباع من سلف ، والشر في ابتداع
من خلَف .
قال
القاضي عياض – رحمه الله - : في فصل في علامة محبته صلى الله عليه وسلم - :
اعلم أن مَن أحب شيئاً : آثره ، وآثر موافقته ، وإلا لم يكن صادقاً في حبِّه ، وكان
مدعيّاً ، فالصادق في حبِّ النبي صلى الله عليه وسلم : مَن تظهر علامة ذلك عليه ،
وأولها : الاقتداء به ، واستعمال سنته ، واتباع أقواله ، وأفعاله ، وامتثال أوامره
، واجتناب نواهيه ، والتأدب بآدابه ، في عسره ، ويسره ، ومنشطه ، ومكرهه ، وشاهد
هذا : قوله تعالى ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله ) ، وإيثار ما شرعه
، وحض عليه على هوى نفسه ، وموافقة شهوته ، قال الله تعالى : ( والذين تبوؤا الدار
والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون
على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) وإسخاط العباد في رضى الله تعالى ... .
فمن
اتصف بهذه الصفة : فهو كامل المحبة لله ، ورسوله ، ومن خالفها في بعض هذه الأمور :
فهو ناقص المحبة ، ولا يخرج عن اسمها .
"
الشفا بتعريف حقوق المصطفى " ( 2 / 24 ، 25 ) .
4.
لننظر في تاريخ ميلاده صلى الله عليه وسلم ، هل يثبت فيه شيء ؟ ومن ثم لننظر في
المقابل هل ثبت تاريخ وفاته صلى الله عليه وسلم ؟ إن الجواب عند كل عاقل ومنصف :
أنه لم يثبت تاريخ ميلاده ، وأنه قد ثبت باليقين تاريخ وفاته صلى الله عليه وسلم .
وإذا نظرنا في كتب السيرة النبوية : سنجد أن كتَّاب السيرة يختلفون حول ميلاده صلى
الله عليه وسلم إلى أقوال هي كما يلي :
1. يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول .
2. ثامن ربيع الأول .
3. عاشر ربيع الأول .
4. ثاني عشر ربيع الأول .
5. وقال الزبير بن بكار : ولد في رمضان .
ولو كان يترتب على ميلاده صلى الله عليه وسلم شيء لسأله عنه الصحابة رضي الله عنهم
، أو لأخبرهم هو به صلى الله عليه وسلم ، وكل ذلك لم يكن .
وأما وفاته : فلم يُختلف في أنها في الثاني عشر من ربيع أول منة السنة الحادية عشر
للهجرة .
ثم
لننظر بعدها متى يحتفل هؤلاء المبتدعة ؟ إنهم يحتفلون في وقت وفاته لا ميلاده ! وقد
مشَّى عليهم العبيديون – الذين زوروا نسبهم وسموا أنفسهم " فاطميون " نسبة لفاطمة
رضي الله عنها - الباطنية بدعتهم ، وقبلوها بسذاجة بالغة ، فقد كان أولئك القوم
زنادقة ، ملحدون ، وقد أرادوا الفرح بوقت وفاة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ،
فاخترعوا تلك المناسبة ، وأقاموا لها الاحتفالات ، وإنما أرادوا الإعراب عن فرحهم ،
فأوهموا السذَّج من المسلمين أن من وافقهم في هذه الاحتفالات فهو إنما يعبِّر عن
محبته صلى الله عليه وسلم ، وهكذا نجحوا في خبثهم ومكرهم ، ونجحوا مع هؤلاء في
تحريف معنى " المحبة " ، وجعلوه في قراءة قصائد المولد ، وتوزيع الشعير ! والحلويات
، مع إقامة حلقات الرقص ، والاختلاط بين الرجال والنساء ، وما يصحف ذلك من معازف ،
وتبرج ، وفجور ، عدا عن التوسلات البدعية ، والكلمات الشركية التي تقال في تلك
المجالس والحلقات .
وقد سبق التوسع في بيان نكارة هذه البدعة في موقعنا في أجوبة الأسئلة : (
10070 ) و (
13810 ) و (
70317 ) فلتنظر .
وينظر كتاب الشيخ صالح الفوزان في نقض هذه البدعة تحت هذا الرابط :
http://www.islamqa.com/ar/ref/books/94
ثالثاً:
اصبر - أخي السائل - على اتباعك لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا يغرنك كثرة
المخالفين ، ونوصيك بطلب العلم ، والحرص على نفع الناس ، ولا تجعل مثل هذه الأفعال
من أهلك سبباً للفرقة بينك وبينهم ، فهم يقلدون غيرهم ممن يفتي لهم بجواز هذه
الاحتفالات ، بل باستحبابها ! فعليك التلطف معهم في الإنكار ، والحرص على إظهار
أحسن الأقوال ، والأفعال ، والأخلاق ، وأرهم أثر الاتباع على سلوكك ، وعبادتك ،
ونسأل الله لك التوفيق .
والله أعلم